ادب وشعر

التاريخ والأدب

التاريخ والأدب
التاريخ والأدب

د. غسان صالح عبدالله

نحن السوريون كنا في الماضي أمة كبيرة وبسطنا سلطاتنا وسؤددنا على ثلاثة ارباع المنطقة التي كان لها شأن تاريخي في العالم المعروف وكان لأساطيلنا البحرية من الصولة والقوة ما لأساطيل امريكا وبريطانيا وغيرهما اليوم، وما بلغنا ذلك إلا بقوة مبادئ الحياة التي تفوقنا بها على غيرنا في معترك الحياة والارتقاء، ثم انتشر فساد النظرة إلى الحياة في بعض اجهزتنا ومؤسساتنا فلم نتمكن من الثبات ضد الجماعات التي كانت في فوران نهضاتها، ثم سقطنا تحت مطارق الفتوحات البربرية المتعددة فتفكك نظامنا وعمت الفوضى وشاعت المذاهب الفاسدة والنظرات الغريبة عن مصالحنا فصرنا امة صغيرة متنافرة بعد أن كانت أمة كبيرة عظيمة.

لقد كانت سقطننا عظيمة على قدر عظمة البناء الذي شيدناه واتساع السؤدد الذي اقمناه حين كان البحر المتوسط كله تحت سيطرت أساطيلنا ، وحين كانت افريقيا وشبه جزيرة ابيريا حيث اسبانيا والبرتغال اليوم مستعمرة لنا ، وحين كانت آسيا الصغرى من جملة أملاكنا .

ونحن في هذه الأيام نعيش اشد المحن على المستويات كافة فواجبكم أنتم ايها الادباء والمفكرون تنظيم عملكم والارتقاء بسمو نظرتكم إلى الحياة والكون والفن والوقوف في وجه الفوضى .. فوضى الأدب وبلبلة الادباء حيث تحملان نصيبا من مسؤولية التزعزع النفسي والاضطراب الفكري والتفسخ الروحي المنتشرة في أمتي.

كفكفوا دموع هذه الأمة وارفعوا لهذه الأمة التي تتخبط في الظلمات مشعالا فيه نور، فيه امل، فيه صحة وعافية، ولا تكونوا مقلدين في سائر اعمالكم ..

اتركوا الخيال الذي لا روح فيه ولا حقيقة، واطرقوا أبدا المواضيع الحيوية والعمرانية وشهروا تشهيرا لا تخشوا فيه لومة لائم مواضع الضعف في الأمة مشيرين إلى كل ضعف في اخلاقها ، وخلل في عاداتها، ونقص في كيانها على سبيل حب الإصلاح ليس إلا.

وكن أيها الأديب ذلك الرجل المفكر في الحياة وما تتطلبه الحياة من عوامل الرقي وأسباب العمران، ولا تعود حياتك كلها في ما تكتب على البكاء والنواح على الطلول البالية والآثار الخرفة وهذا ما يقوم به أكثر الادباء والشعراء..ظنا منهم انهم يخففون الألم.

قال جبران خليل جبرا” الشاعر زنبقة في جمجمة”.

قال خليل سعادة ” كل أمة مقياس ارتقائها وصورة أخلاقها ومظهر شعورها وعنوان مجدها فهي المرآت التي ترى بها الامة نفسها ومصباح الظلمات يكونه الشاعر والاديب والفنان والفيلسوف والعالم والقائد كل واحد منهم بطريقته الخاصة”.

إن الحالة التي تمر بها سورية مختلفة تماما عما تمر بها دول أوروبا مثلا ، لذلك يكون الشاعر هو الذي يعني بإبراز أسمى وأجمل ما في كل خير من فكر أو شعور أو مادة ، ومن اهم خصائص الشعر: إبراز العاطفة والشعور والإحساس في كل فكر أو في كل قضية تشمل عناصر النفس وإعطاء الشعور والإحساس والعواطف صورا مجازية أو خيالية عناصرها ” القوة والجمال والسمو، مع عدم مفارقة الحقيقة والغرض الإنساني”.

والشعر والإبداع المثالي الأسمى شديد الاتصال بالفكر وإن يكن الشعور عامله الأساسي او غرضه لأن الشعور الإنساني متصل بالفكر اتصالا وثيقا.

هناك تعبيرات كثيرة ..هناك من هو متعصب لموسيقاه تعصبا قوميا غير ناضج، وهناك من يجدها هي لغة الفكر والفهم، إنها لغة النفس الإنسانية بكل ظواهرها وبواطنها ومن يقول أن الموسيقى تتناول الميول الأولية والعواطف والحالات النفسية على أنواعها والأصوات على اختلافها والشعر والأدب والفلسفة.

وهناك من يميز بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، وهناك من يقول متى كانت الموسيقا الغربية تعبيرا عن العواطف والحالات النفسية التي تعبر عنها الموسيقى الشرقية عينها امكنك فهمها بكل سهولة وإن اختلف أسلوبها.

إن عواطف الحب والبغض والرقة والقسوة والسرور والحزن وبواعث الطرب والتأمل واللهو والتفكير والطموح والقناعة وما ينتج عنها من ثورات وانفعالات وتصورات نفسية كل هذه واحدة في جميع الامم في الشرق والغرب ولا فرق بينها إلا بمقدار تنبه النفوس وارتقائها وشدة شعورها او خمولها وانحطاطها وعدم شعورها.

وتنقسم الناس إلى مجموعتين الأولى ناتجة عن حكم العادات والتقاليد ، والثانية تحررت نفسيتهم وارتقت وأصبحت موسيقاهم تعبر عن عواطف تسمو على الشهوات والتخيلات ولم يقتصر على وصال الحبيب، بل اصبح مطلبا أعلى يرفع الأحبة نفوسهم ويشحذ عزائمهم.لتحقيقه مولدا في نفوسهم من العواطف السامية والأفكار والتخيلات الكبيرة مالا يستطع فهمه من همه وصال الحبيب هذه العواطف والأفكار التي تعبر عنها موسيقى أمثال” بيتهوفن” الذي بلغ في الفن الموسيقي حد الألوهية لأن معزوفاته حققت اسمى ماتصبوا إليه النفس البشرية في الحياة، إنه كان يشعر بعواطف وآمال وميول جميع أخوانه البشر حتى كأن نفسه كانت مؤلفة من كل النفوس، هذه هي صفة الموسيقي النابغة كما هي صفة الشاعر والأديب النابعة.

لو نظرنا إلى معزوفاته ( كسنفونيته الخامسة المعبرة عن الصراع بين الفناء وعوامل البقاء ، بين الموت والحياة) ومعزوفات غيره من الموسيقيين الخالدين فهي لا تقف عند رفع العواطف الروحية فحسب إلى مراتب السمو بل تتعداه إلى رفع الأفكار والتصورات العقلية أيضا.

إن ما ورد حكمه في الموسيقى كحكمه في الأدب ، ولننظر إلى شعرائنا كيف يجدون العيس في منظوماتهم وما هم في ذلك إلا مقلدين لأن حدى العيس ليس من شؤون شعبهم ولا من مظاهر تمدنهم، وإلى كتابنا كيف يتكلمون عن الغبراء والبطحاء وبلادهم سهلية جبلية خضراء.

إني أعتقد أنه لا بد من القيام بجهود جبارة قبل أن تصبح النهضة الادبية معبرة عن حياتنا .. ولكني مؤمن بأنه سيجيء اليوم الذي يتحقق فيه ذلك وتصير الروحية والعقلية السوريتان والغنيتان بمواهبهما الطبيعية معينين ينهل منهما الأدباء وأهل الفنون والعلماء والفلاسفة الذين يخرجون من صميم الشعب السوري، وليحقق الشاعر أو الأديب ذلك عليهما الاتصال بمجرى حياة يجدان فيها نفسيتهما ونفس امتهما ومجتمعهما وحقيقة طبيعتها وطبيعة جنسهما ومواهبهما وبإدراك عمق النظرة إلى الحياة والكون والفن الملازمة لهذا المجرى الذي يزداد قوة مع الأيام ، ويجعل من سورية والأمة في مصاف الأمم التي لها ادب حي جدير بالبقاء وباحتلال مركز عالمي لأنه يوجد في سورية والعالم العربي من روائع المظاهر والمكنونات النفسية التاريخية ما يستهوينا لاستخراج كنوزنا واستئناف مجرى خططنا السامية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Don`t copy text!