"وقفة فى بيت رجلٌ صالح "
"وقفة فى بيت رجلٌ صالح "

“وقفة فى بيت رجلٌ صالح “

بقلم خالد ربيع 

 

إنه رجلٌ صالح تاجر مع الله ، كان طوال حياته العملية يعمل مدرساً للحديث الشريف فى المعاهد الأزهرية متنقلًا من مكانٍ إلى مكان و هو على حاله مصراً على التدريس لآلاف و آلاف من الدارسين بالأزهر الشريف ثم يكمل مشواره بحديث الليل مع مريديه و الطلبة المترددين عليه من بعد صلاة العشاء إلى ما شاء الله من الليل ، و بعد كفاحٍ مع الحياة خرج إلى المعاش فوجد فرصة أكبر لتغذية الروح بحلقات تعقد يومياً من صلاة العصر إلى ما شاء الله له و لمريديه من طلاب العلم الروحانى .

 

ماتت زوجته و غاب عنه ولداه لإنشغالهما بعملهما أحدهما طبيب يعمل بمستشفى بالأسكندرية و الثانى مهندس يعمل بشركة مقاولات خارج البلاد ، فكان أهل البيت هم الطلبة الطالبين للعلم و المريدين الذين لم تنقطع منهم الدار ، فكانوا ملازمين للشيخ ليل نهار حتى إعداد الطعام و تنظيف الفراش و البيت الذى يتلقون فيه العلم .

 

كان البيت لا يخلو من الطلاب و المريدين و ظل على هذا الحال فترة من الزمن و هو راضٍ عن حياته مؤدياً فرض ربه و عاملًا بعلمه لم يبخل به يومًا قط على أحد ، حتى الفتاوى و الإستشارات الفقهيه كان لها نصيب من علمه بما أتاه الله ، و كان يطمئن عليه و يزوره يوميًا ابن أخٍ له و هو فى نفس القرية التى يعيش فيها الشيخ و كان منزله يبعد عنه مسافة فكان يأتيه ثم ينصرف بعد أن يطمئن عليه لأن اهله أيضاً فى حاجة إليه .

 

كرس الشيخ معظم وقته فى إنشاء معهد دينى أزهرى فى هذه المنطقة المحرومة من هذا المعهد حيث كان الطلبة من القرية و القرى المجاورة يتكبدون مشاق السفر إلى أقرب معهد ليتلقون فيه العلم فعمل الشيخ كل جهده على جمع المبلغ المالى المناسب من أهل الخير من القرية و القرى المجاورة حتى تم إنشاء سرح علمى إبتدائى إعدادى ثانوى ، فتح الباب لآلاف الطلاب ليتلقوا العلم من المعهد الأزهرى .

 

و كان مسكن الشيخ عبارة عن طابق واحد من الطوب و المسلح القديم و السقف به طيات من الجبس الأبيض مضى عليها زمنٌ طويل و فى يومٍ من أيام الشتاء القارس أمطرت السماء مطراً غزيراً من بعد صلاة الظهر إلى ما بعد العشاء ، و لم يستطع أحدٌ من المريدين الذهاب إلى الشيخ فى هذا اليوم حيث ملئت الشوارع بأكثر من نصف متر من الماء و هى شوارع قرية فإختلط الماء بالأرض فكونت بركاناً من الطين يصعب على أى إنسان السير فيه ، لكن ابن أخيه عز عليه أن يترك عمه فى هذه الظروف السيئة دون أن يطمئن عليه .

 

فذهب متحاملًا على نفسه مستنداً على بعض الجدران تارة و على عصاه تارةً أخرى و بعد صعوبة و مشاقة لأكثر من ساعة وصل لبيت عمه فدخل فوجد عمه ملقى على السرير فباشر عمله و صنع له عشاءً خفيفاً و شاى دافئ و بعد تناول العشاء طلب من ابن أخيه أن يعود إلى بيته من أجل أولاده فرفض و قال له : أكدت عليهم أنى سأبيت معهم الليلة و هم مطمئنون لذالك و أغلقوا بابهم فكل الأهالى فى البيوت لا أحد يجرأ أن يسير فى الشوارع من هول ما فعله المطر الغزير ، فنام الشيخ على السرير و كان فوقه مباشرةً دائرة من الجبس الأبيض تفاعلت مع الزمن و المطر و ظهر بها بعض البلل ، فقال ابن أخيه : لأنقلنك إلى حجرةٍ أخرى ، قال الشيخ : كل شئٍ عنده بمقدار فلا تغشى شيئاً .

 

ترك تاركٌ على الباب بشدة فذهب الإبن إلى الباب ففتحه فإذا بشيخٍ من البسطاء كانوا يسمونه (البهلول) أُسوة بإخى هارون الرشيد فى مظهره و فعله و عدم ثباته فى مكان ، دخل البيت حافى القدمين و الطين و الوحل إلى ركبتيه فنهره ابن أخيه و قال لقد لطخت المكان فكيف لى أن أنظفه فقال البهلول : يا شيخ أريد قنينة قطرة للعين من عند ابن أخيك ، و كان الشيخ يحبه و يقدره فقال لابن أخيه : إذهب فأتى له بطلبه ، فقال : مستحيل لن أستطيع المشى فى الشارع أبداً فى هذه الظروف فألح الشيخ و لكن ابن أخيه رفض ، فإنتفض الشيخ من الفراش و هم بالقيام و بعد أن إبتعد عن السرير متراً واحداً و قال لإبن أخيه لأتينه بطلبه من عندى ما هى إلا ثوانى معدودة و وقعت الدائرة الخرسانية من الجبس بفعل ما تراكم عليها من طبقات المطر وقت فوق السرير فجعلته و الأرض سواء ، ففزع الشيخ و إبن أخيه و نظرا إلى ما حدث و قالا فى نفسٍ واحد سبحان الله و إلتفت إلى البهلول فرجدوه خرج إلى الشارع مسرعاً فنادوا عليه بصوتٍ عالى إنتظر خذ ما تطلب فرد عليهم بضحكة هيستريه لست فى حاجة إليها و ما هى إلا ثوانى حتى غاب عن الأنظار فقال الشيخ لإبن أخيه : لماذا حضر الآن و ما السر فى زيارته فى تلك اللحظة الفارقة ؟ سبحان الله سبحان الله ( إن لله عبادً فطنا ، طلقوا الدنيا و خافوا الفتنا) .

 

"وقفة فى بيت رجلٌ صالح "
“وقفة فى بيت رجلٌ صالح “

 

عن Wafaa Daramalli