وفاء خالد "
وفاء خالد "

وفاء خالد “

بقلم ربيع جودة .

بينما كان السموءل ابن عادياء فى قصره الأبلق الذى بناه وسط حصنه المنيع ، دخل عليه الحاجب يقول : إن امرأ القيس ابن حجر واقف أمام الباب ينتظر الإذن ، نظر إليه السموءل بدهشة لأنه ما كان يتوقع زيارة أمير كِنده له ، وقال : أدخلوه مكرماً معززاً و قبل أن يذهب الحاجب قال السموءل : لا بل قف فسأذهب أنا لإستقباله و الحفاوة به فإنه ابن ملك و أمير و شاعر و ضيف و كل صفة من هذه الصفات توجب علينا أن نكرمه و نحترمه .

جلس امرؤ القيس مع السموءل و حكى له قصة مقتل أبيه الملك حجر و أنه يجهز جيشاً للقضاء على أعدائه ، فقال السموءل : ماذا تطلب منى ؟
فأجاب امرؤ القيس إننى يا سموءل لا أكلفك مشقة القتال معى و لكنى جئت أطلب منك شيئاً واحداً ، هو أن تحفظ أسلحتى و تكرم من معى من أطفال البيت و نسائه إلى أن أعود من عند قيصر الروم ، و ما أظن هذا يكلفك مشقة كبيرة .
فأجاب السموءل لك هذا أيها الأمير و قد أهتديت إلى المكان الذى لا تصل إليه يد الأعداء .

سمع القيصر قصة امرئ القيس و عرف ما يطلبه من مساعدته فأحسن إستقباله و أنزله فى جانب من قصره ثم جمع وزراءه ليستشيرهم فى ما يصنع معه فقال الوزير الأول : ماذا يعود علينا من فائدة يا جلالة القيصر ؟
إن نجداً صحراء جرداء لا خير فيها و لا نفع منها و قد تهلك جيوشنا فى هذه الصحراء ، يكفى هذا الأمير أن تساعده ببعض المال و السلاح ، و قال الوزير الثانى : أنا أرى غير هذا الرأى يا جلالة القيصر إن عدونا الكبير كسرى قد بسط نفوذه على بلاد العراق كلها و قد بلغنى أنه يستعد لغزو نجد و التوسع فيها و سيكون ذلك شديد الخطر علينا ، و عندئذ أظهر القيصر الرضا عن هذا الرأى و قال صدقت أيها الوزير العاقل لن يستطيع العرب أن يقفوا فى وجه هذا الخطر إلا إذا ساعدناهم فأعدوا له جيشاً كبيراً مزود بكبار القواد و الأبطال ليسترد ملكه و يبسط يده على كل شبر فى جزيرة العرب .

و مضت شهور و العاصمة تستعد لحملة الصحراء و امرؤ القيس يحلم بنصر سريع و ينتقم من بنى أسد قتلة أبيه أشد إنتقام .

إكتمل إستعداد الجيش و صار إمرؤ القيس فى الأمام صار ثم صار و لكن سيره لم يستمر إلى النهاية فما كاد يصل إلى مدينة أنقرة وسط أسيا الصغرى حتى شعر بمرض خطير فقد أصابت جسمه جروح شديدة و صارت أعضاؤه تتمزق و تتناثر و عجز الأطباء عن علاجه فعرف أنه ميت بعد قليل و أخذ يبكى نفسه بشعرٍ مؤثر و هو لا يعرف أن الوزير الأول دث له السم البطئ فى الطعام و لما رأت الجيوش ما أصابه رجعت من حيث أتت و بقى وحده مريضاً حزيناً حتى رقد رقدته الأخيرة فى سفح جبل يقال له عثيب(هذه إحدى طرق الغرب فى التخلص ممن لا يحبون فطبعهم الغدر و الخيانة).

سمع أمير غسان بموت امرئ القيس فطمع فى أسلحته و أماناته التى عند السموءل فذهب إليه و معه عدد من الجنود المسلحين و لما رأه الحراس أقفلوا بابهم و أخبروا السموءل فوقف السموءل على برج السور و نظر إلى الأمير و قال : ماذا تريد أيها الأمير و ليس بينى وبينك عداوة ولا ثأر؟
فقال الأمير : كلا يا سموءل إنى ما جئت مغيرا عليك و لكنى جئت أطلب أسلحة امرئ القيس و أماناته التى عندك فأنت تعرف أمراء كنده و أمراء غسان أبناء عم ، نظر إليه السموءل بسخرية و قال هل ترضى أيها الأمير أن يخون العربى أمانته إن لامرئ القيس أخوه و أبناء عم أقرب منك و سيحضرون بعد قليل ليطالبونى بأسلحته و أهله ماذا أقول لهم؟
فنظر إليه الأمير و قال بعناد :كلا يا سموءل إنى لن أنصرف حتى أخذ ما عندك لامرئ القيس و الويل لك إذا إمتنعت عن تسليمها لى .

و ما كاد الليل يقبل حتى نظر أمير غسان فوجد ابن السموءل عائداً من صيده و معه صيدٌ كثير و خيلٌ و غلمان فقبض عليه أمير غسان و على غلمانه و رفع صوته صائحاًشامتاً : يا سموءل أنظر !
سمع السموءل النداء و حدثته نفسه بكل شئ و عرف أن ابنه الوحيد وقع فى قبضة هذا الجبان الغدار ، فاسرع إلى البرج و قال : ماذا حدث أيها الأمير ؟ لقد إنتهى ما كان بيننا من حديث .
فأجابه الأمير و هو يبتسم بشماتة : حتى بعد هذا ؟ و أشار إلى ابن السموءل و هو مقيد بقيود غليظة و استمر يقول : إما أن تعطنى الأسلحة و إما أن تفقد ولدك للأبد .
فكر السموءل طويلا و كاد قلبه يتمزق من الحزن و نظر إلى ولده و قال و هو يبكى : هل يرضيك يا ولدى أن أغدر بعهدٍ عاهدت عليه امرأ القيس ؟
فأجاب الولد بشجاعة و شهامة : كلا يا أبى، إتركه يفعل ما يشاء ولا تكن خايناً ولا غداراً .

إستراحت نفس السموءل و قال للأمير : إقتل أسيرك إذا شئت فلن أخون الأمانة .
ثم رجع إلى قصره حزيناً باكياً موجع القلب و النفس لكنه راضٍ بما فعل لأنه أصبح مثلاً فى الوفاء إنه يهودى عربى أصيل و ليس إسرائيلى لأن الإسرائيلين لم يعرفوا الوفاء حتى مع أنبائهم المرسلين ، أما السموءل فكان يسكن على حدود الشام و إعتنق الديانة اليهودية الصحيحة فتشرب الأصالة و الخلال العربية الحميدة .

 

وفاء خالد “

عن Wafaa Daramalli