موتٌ على قيد الحياة
موتٌ على قيد الحياة

موتٌ على قيد الحياة

بقلم د عبدالرحمن صبرى

أرأيت إلى الذي سئم الحياة يوما فأراد أن يعود إلى الأرض التي منها نشأ؛ حتى حسِب أنّ الأرض أحنى عليه من أمّه التي أنجبته لهذه الآلام، وظنّ أن الموت راحة له فيما يشكو من عذاب، فإنْ مات فقد عاد سالما إلى الأرض بعد رحلة الآلام والأحزان، ذلك ميتٌ على قيد الحياة؛ فالحياة هي الأمل، وإذا انتفى الأمل، اشتدّ الألم، وماتت الحياة.

أرأيته يرجو الردى؛ ليأخذ ما أبقت الأيام منه، أرأيته يسرع الخطى –وإن كانت ثقالا- نحو الهلاك؛ حتى ما يبقى بينهما إلا خطوة واحدة، فإن اجتازها فقد أتاه الفرج، أرأيتَ الموت على قيد الحياة؟!.

كم لقينا من قلب مُعنّى قد أشقاه كدرٌ وأضناه، فما فعلنا غير البكاء؟ إنْ كانت الدموع نوعا من الوفاء لمن ضمته القبور؛ فإنّ القلوبَ الكسيرة أولى بهذا الوفاء؛ (فلندخر لميت على قيد الحياة دموعا).
كأنّ عُمر الإنسان بهذه الدنيا الغرور هدنة محارب لا تلبث إلى تأخذه أخذا شديدا إن لم يكن لها حذرا، وطول بقائه فيها أمل كاذب، لا يستقيم.

أيها الإنسان –وكلنا هو- تزود قبل الأفول، تزود مِن وجه الذي تحب بالذي تحب، ومن وجه الذي تكره بالذي تحب أيضا، ولعمري كم خدعتنا هذه الحياة بمن نكره، ولا نعجب، وإن تعجب فاعجب كيف تخدعنا فيمن نحب، تزود فلعله ينفعُ حين الوداع، حين ترحل الأشجان بالنفوس رحيلا عنيفا، حين لا تنفع الأشواق.
أرأيته؟! أنا أو أنت، كلانا ميّتٌ على قيد الحياة.

موتٌ على قيد الحياة
موتٌ على قيد الحياة

عن Mohamed Saber