من عمل صالحاً فلنفسه و من أساء فعليها

من عمل صالحاً فلنفسه و من أساء فعليها

بقلم ربيع جودة

ذكر الخطاب فى عدالة السماء : أن رجلاً تاجراً بعث أحد أولاده فى بضاعة له إلى بلدٍ بعيد ، و لما أراد ولده أن يغادر قال له أبوه : يا بنى إحفظ عرض أختك فى سفرك ، فعجب الولد ، كيف أحفظ عرضها و هى فى البيت عندك ؟
فقال أبوه : إحفظ عرضها و إن كنت بعيداً عنها .

فمضى الولد و سافر ، ومضت الأيام و كان فى قريتهم شيخٌ كبير فقير ، يطوف بالبيوت و يبيع الماء فأتى فى أحد الأيام إلى بيت ذلك التاجر ، و فتحت الفتاة إبنت هذا التاجر الباب لهذا السقاء ، فدخل كعادته و سكب ما فى قربته فى آنيتهم ، و الفتاة تنتظر خروجه لتغلق الباب فلما مر بها خارجاً مال إليها و إختلس قبلة و خرج سريعاً و هو فى عجب من أمره إنه شيخٌ كبير و لم يعرف عنه السوء أو الخيانة ، و رأه الأب من إحدى النوافذ فسكت و البنت فى زهولٍ و حيرة .

فلما عاد الإبن بدأ يُحدث أباه بما رأى و أشترى و بما كسب و ربح .

فقال له أبوه : ألم أقل لك أن تحفظ عرض أختك ؟ فصدقنى ، هل تعرضت لإمرةٍ فى سفرك ؟
فقال الشاب : نعم أصبت من إمرأة قبلة .

فقال له أبوه : نعم دقة بدقه ولو زيدت لزاد السقى ، هذا عمن أساء فأسئ إليه بنفس فعلته .

أما من أحسن فهذا صهيب الرومى رضى الله عنه ، كان عبداً مملوكاً فى مكة فلما جاء الله بالإسلام صدق و أطاع و أتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإشتد عليه عذاب الكافرين ، ثم أذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة فهاجروا فلما أراد صهيب أن يهاجر معهم إلى المدينة منعه سادت قريش ، و جعلوا عنده بالليل و النهار من يحرسه خوفاً من أن يهرب إلى المدينة ، فلما كان فى إحدى الليالى خرج من فراشه إلى الخلاء فخرج معه من يرقبه ثم ما كاد يعود إلى فراشه حتى خرج مرة أخرى فخرج معه الرقيب ، ثم خرج أخرى كأنه يريد الخلاء فلم يخرج معه أحد و قالوا : قد شغلته اللات و العزى ببطنه الليلة ، فتسلل رضى الله عنه و خرج من مكة قاصداً المدينة فلما تأخر عنهم خرجوا يلتمسونه فعلموا بهربه إلى المدينة فلحقوه على خيلهم حتى أدركوه فى بعض الطريق فلما شعر بهم خلفه ، رقى إلى ثنية جبل ثم نثر كنانة سهمه بين يديه ، و قال : يا معشر قريش قد علمتم و الله أنى أصوبكم رمياً و الله لا تصلون إلى حتى أقتل بكل سهمٍ بين يدى رجلاً منكم .

فقالوا : أتيتنا صعلوكاً فقيراً ثم تخرج بنفسك و مالك .
فقال : أرأيتم إن دللتكم على موضع مالى فى مكة هل تأخذونه و تتركونى أذهب ؟
فقالوا : نعم .
فقال : إحفروا تحت أسكفة باب كذا فإن بها أواقى من ذهب فخذوه و إذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين من ثياب .

فرجعوا و تركوه و مضى يطوى قفار الصحراء ، يحمله الشوق و يحمله الأمل فى لقاء النبى عليه الصلاة والسلام حتى إذا وصل المدينة أقبل إلى المسجد فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد و عليه أثر الطريق و وعثاء السفر فلما رأه النبى صلى الله عليه وسلم قال : (ربح البيع يا أبا يحيى ، ربح البيع يا أبا يحيى ، ربح البيع يا أبا يحيى ) .
نعم والله ربح البيع ، و لماذا لا يربح ؟ و هو الذى هان عليه كل شئ ، هان عليه أن يترك المال الذى جمعه بكد الليل و تعب النهار و يترك الأرض التى ألِفها و البلد التى عرفها و الدار التى سكنها فى سبيل طلب مرضاة الله .

إنهم رجال تربوا على يد الحبيب باعوا الدنيا و أشتروا الآخرة فربح البيع .
لم يمر وقت طويل حتى أستقر بهم المقام فى المدينة المنورة ، فعمل و إجتهد و تاجر فعوضه الله خيراً مما ترك فى مكة .
( و هل جزاء الإحسان الا الإحسان ) .

( لله رجال فطنا ، طلقوا الدنيا و خافوا الفتنا ) رضى الله عنهم اجمعين .

من عمل صالحاً فلنفسه و من أساء فعليها
من عمل صالحاً فلنفسه و من أساء فعليها

عن admin