في ذكرى وفاته اليوم..من هو الشاعر أمل دنقل ؟!

بقلم / حمادة سعد

ليس غريبا أن تكون شخصية اليوم والتي نكتب في ذكرى وفاتها السابعة والثلاثين أن تكون شخصية من صعيد مصر العظيم ، ومن الأرض التي لا تبور … تلك الأرض الخصبة التي تنبت العلماء ، والعباقرة ، والمبدعين على مر العصور .

ففي مثل هذا اليوم الحادي والعشرين من شهر مايو من عام (1983) توفي الشاعر الكبير ” أمل دنقل ” ابن الصعيد ، و صاحب الرأي الحر ، والشخصية الحالمة .

فشاعرنا الكبير هو ” محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل ” ولد في عام ( 1940) في قرية ” القلعة ” التابعة لمركز ” قفط ” بمحافظة ” قنا ” .

وعلى الرغم من أن اسم ” أمل ” من الأسماء التي تطلق على البنات في مصر إلا أن والده سماه بهذا الاسم تيمنا بحصوله على الشهادة ” العالمية ” واعتبر وجود هذا الابن هو بمثابة الأمل والتفاؤل في كل خير .

وكان والده صاحب الفضل الأكبر في تكوين شخصيته حيث كان عالما من علماء الأزهر

الشريف وكان دائما ما يتحدث مع زملائه وأصدقائه في حضور ولده الصغير في الفقه والعقيدة وألفية ابن مالك .

وبالطبع كانت هذه المجالس لا تخلو من الاستشهاد بالشعر العربي ؛ مما خلق حبا عميقا لدى الطفل الصغير للتحدث بتلك اللغة البارعة التي تأخذ صاحبها على بساط الريح وتحلق به في السماء ، فتعبر به كل الحدود .

لكن الوالد القدوة يتوفاه الله تعالى وطفله لم يكمل العاشرة من عمره ؛ ليصبح بعدها هذا الطفل الذكي يتيما وتتحول ملامح السعادة التي كانت ترتسم على وجهه إلى ملامح التعاسة والشقاء .

لكن يتذكر الطفل الصغير عبارة والده الرنانة التي كان دائما يكررها أمامه وهي ” الكتاب خير جليس ” فيخطو بقدميه الصغيرتين ، وهو منكس الرأس منكسر الفؤاد ناظرًا إلى مكتبة والده العامرة بصنوف العلوم من فقه وتفسير وحديث وبلاغة وشعر محدثا نفسه هل هذه الكتب ستعوضني عن فقدان أبي ؟

يمسك الطفل الصغير بأقرب كتاب إلى يده ويحتضنه وهو يختنق من العَبَرات الحارة

فإذا به يقرأ ما كان يتردد في مجلس والده الثقافي ، وإذا به يمسح عبراته وتبدأ ملامح وجهه في الانبساط ، ويضحك بصوت عال ؛ لأنه تذكر مزحة والده عند قول الجملة التي كان يقرأها في الكتاب ، فيجلس بعدها بشغف لمتابعة القراءة مستشعرا بوجود والده مع كل كلمة كان يقرأها ، ومن هنا ارتبط ” أمل ” بمكتبة أبيه حيث كانت الوسيط الروحي لالتقاء روحيهما معا .

تمر السنون ويكبر ” أمل ” ويسافر إلى القاهرة ؛ للالتحاق بكلية الآداب ولكنه يترك كليته في عامه الأول ؛ لأنه صعيدي حر كمعظم أبناء الصعيد الذين لا يرضعون لبنا كسائر الأطفال ، ولكنهم يرضعون معه الكرامة والنخوة وعزة النفس ، لذا لم يشأ أن يكون عالة أو عبئًا على أحد ، فعمل موظفا بمحكمة قنا ، وبجمارك السويس والإسكندرية

كانت قوة الشخصية والاعتزاز بالنفس وتقديرها هي أهم السمات الشخصية للشاعر الكبير ” أمل دنقل ” التي اكتسبها من والده ومحيطه العائلي .

أما عن الجانب الشعري فكان ” أمل ” من أفضل شعراء جيله ، بل كان مدرسة تجمع كل الأطياف من حوله ، وتجبرهم على الاندماج ، حيث كانت قصائده مستوحاه من رموز التراث العربي المختلطة بالميثولوجيا الغربية واليونانية بالإضافة إلى اللمسة القومية والعروبية التي كان دائما يتميز بها شاعرنا الكبير .

ومن أشهر أعماله :

ديوان” البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ” وهذه قيلت في أعقاب نكسة 1967 ، وديوان ” مقتل القمر ” الصادر عام 1974 والعديد من الأعمال التي خلدت اسمه في التاريخ وجعلته واحدا من أفضل الشعراء المصريين .

ورغم معارضته لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وكتابته لقصيدة ” لا تصالح ” ، والتي كان يرددها بعض المصريين في الشوارع والطرقات ،ومن بين أبيتها :

لا تصالح
ولو منحوك الذهب.
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى ؟
هي أشياء لا تُشترى .
وبرغم صدامه مع السلطات وقتها إلا أن هذا لم يقلل من شأنه ، ولم يجعله يدخل في خندق المعاداة للوطن ، بل كان
دائما رمزا للقومية والوطنية الهادفة التي تبني ولا تهدم .
ولعل آخر ما كتب شاعرنا الكبير هي قصيدة ” الغربي ” والتي تحدث فيها عن الصعيد وتعتبر قصيدة ” أوراق الغرفة 8″ هي القصيدة التي عبرت عن معاناته مع المرض ، وهي تدل على رقم غرفته بالمعهد القومي للأورام ، حيث أصيب بداء السرطان ، وظل طريح الفراش فيها لمدة أربع سنوات إلى أن لبى نداء ربه بين ذراعي رفيق عمره وصاحب سره الشاعر الراحل و الخال ( عبد الرحمن الأبنودي ) والذي أصر على أن يتولى نفقة دفنه ، لكن شهامة وعزة نفس الصعيد دائما حاضرة ، فيرفض أهله رفضا قاطعا برغم ما يعرفونه من الرباط الوثيق الذي يجمع بينهما .
يرحل الجسد ولكن تظل الكلمة ، وتحضرني هنا عبارة خالدة من كلمات شاعرنا العظيم
حيث قال ” ربما ننفق كل العمر ؛ كي نحفر ثغرة ليمر منها النور للأجيال .. مرة “
فرحم الله شاعرنا الكبير .

عن abdo barbary