عندما يبكي الجمال!
عندما يبكي الجمال!

عندما يبكي الجمال!

بقلم د. عبد الرحمن صبري

هذا صاحبي يقبل إليَّ بليل وقد جمع شتات نفسه من أقطارها؛ حتى رأيته على حال غير التي عرفتُ، كأنّ يدا قاسية امتدت إليه فمست نفسه المرهفة مسّا شديدا، فأسلمته إلى بنات الدهر بأحزانها وآلامها، أو إلى قوة ضارية لا يستطيع لها دفعا، ولا ينفع معها حيلة، فنظر إلى نظرة أعرفها في أعين العاشقين، ثم قال: أرأيت الجمال باكيا؟!.

فاستجمعت تباريح نفسي وقلت له: لستُ أدري كيف يكون جوابك، وأنا –كما تعرفني- كنت آخذ الحب على محمله من الجمال والأمل، فقلتُ ذات مرة: تلك التي أحببت الأيام يوم رأيتها، فإذا بك تقول: أرأيت الجمال باكيا؟!، ولستُ أدري لم تحركت نفسي، من عبارتك عنها أم من تأثرك بها؛ فما الشأنُ وماذا في القلب الكسير؟.

أخرج صاحبي زفرة حزينة تحكي آلام الحب وأشواقه، ثم قال لي: ألست من الذين قتلهم الحب؟، فقلت: بلى، ولكنك جئت بالتشبيه مقلوبا، فقد جرت عادة الليالي أنه ما على ظهرها أشقى من محب؛ فهو باك على كل حال، باكٍ لاشتياق، أو باك خوفَ الفراق، وما اجتمع النوعان على أحد إلا هلك، فمال بال المحبوب باكيا، وما يصنع المحب عندما يبكي الجمال؟.

نظر إليّ صاحبي وقال: لئن كان الحب قتلك؛ فما يصلحك إلا هو، فاسمع عني ما أسمعتني الحوادث حين بكى المحبوب، فقد كنت آيبا من وطأة المرض، وقد بلغها أني أسير لريب المنون فلا زالت تبكي، حتى رأتني؛ فرأيتها باكية؛ فقلتُ له البكاء واحد وجهته مختلفة؛ أهو بكاء حزن لهلاك بعضك، أم بكاء فرح لنجاة بعضك الآخر؟!

قال لي صاحبي وهو يودعني بدمع ليس كدمع أبي فراس: أما أنا فلست أرى بكاها غير قلب يسيل حزنا، وقد خلت البشاشة منه، واستقبل أمرا عظيما لا قِبل له به، وأنشدني من قول إسماعيل صبري:
هي الأيام وإن جادت بخيله
يد الحرمان في يدها المنيله

سواء من يعش الألف فيها
ومن أيامه فيها قليله

حينها أدركت أنّ صاحبي وجماله إنما يبكيان لخوضهما إحساس الفراق، وما الحب إلا اغتراب في دهرشحيح بالود ضنين.

عندما يبكي الجمال!
عندما يبكي الجمال!

عن Mohamed Saber