بلا أضواء!
بلا أضواء!

بلا أضواء!

بقلم د.عبد الرحمن صبري

إن في تاريخ الأمم أعلاما بلا أضواء، وما كان ذنبهم إلا أنّ الأضواء لم تسلط عليهم يوما، أو هم رغبوا عنها طائعين أو كارهين، وسواء أكانت الحال على هذه أم كانت على تلك، فإن مآل الأمرين واحد، حيث ينساهم الناس غير آبهين أنّ عبقريا كان ثم مضى إلى غير رجعة إلا في عقول المخلصين؛ فتقرأ من نتاج هؤلاء المخلصين ما يجعلك تقف حائرا متسائلا عمّن تصدر الأضواء في وجود هؤلاء الأعلام، حتى إنك تنشد مع محمد الفيتوري قولَه:
يا زهرة السفح هذا السفح مقبرة سكرى برائحة الأجياف والرممِ

كان القدماء على وعي تام بهذه المعادلة التي تضع الأضواء في غير مكانها، وتقلب القاع قمة، فكانت مستدركاتهم على كتب التراجم خاصة، ثم مضى في إثرهم بعض المحدثين على النحو الذي نجده في كتبٍ من قبيل: عظماء بلا مدارس، أعلام بلا إعلام… وأشدُّ ما تكون فيه هذه الظاهرة الفتراتُ التي اضطربت ثقافيا، أو رُميت بهذا الاضطراب إن صدقا وإن كذبا، ودوننا عهد قريب إذا تأملناه جيدا لأصابتنا الحيرة، وذلك في النصف الأول من القرن المنصرم، حيث عظماء من الشعراء المجهولين، أو أمثالهم من محققي التراث، أو أمثالهم في سائر الفنون والعلوم والآداب…

كأنّ هؤلاء العظماء قد خلقوا للظلمات، وكم من عَلَم متقِنٍ عبقري غرق ضوء نجمه في أمواج من الوهم غير النافع للناس، ثم كاد الإهمال والنسيان أن يغرق فُلك هؤلاء الأعلام في عدم موحش من دهرٍ شحيح ضنين، ولو التفت الباحثون خاصة –كل في مجاله وحسب طاقته التي هي وقف على قدر حبه للعلوم والفنون والآداب، بل على قدر حبه للإنسانية- لأخرجوا نماذج مشرقة، تكون ضياء ونورا لأجيال لاحقة من الباحثين التائهين في مدار التكرار الممل، وإذا لم يفعلوا فليرض هؤلاء الأعلام بحظهم من التراب!.

وإذا لم يفعلوا – هم خاصة، والمثقفون عامة- ذلك، لكان لزاما علينا أن نردد قول إلياس قنصل، هذه المقابلة البديعة:
أين من عاش نائلا كلّ ما يطلبه ممن عاش بالآمالِ!

بلا أضواء!
بلا أضواء!

عن Mohamed Saber