عندما يبكي الجمال!
عندما يبكي الجمال!

النيل في العصر البريطانى

بقلم د. عبد الرحمن صبري

كم كنت أرجو في سابق عمري أن أقدم رسالة علمية تخط صفحاتها رحلة النهر الخالد في الشعر العربي، على النحو الذي خطَّ فيه هذا النهر حياة البشر، وصورته في الشعر العربي حاضرة حضورَه في ذاكرة شعوبه منذ الأعشى إلى أن يحين أجل لا يقرض فيه قلم شعرا، ولكنها الرياح تأتي –وتلك عادة الأيام- بما لا تشتهي السفن، فكيف وقد جاءت ولا سفن!

لستُ أدري لم راودتني هذه الأفكار –وأمثالٌ لها- وأنا أدخل غرفة مكتبي –ثقيل النفس- بعد رحلةٍ جرت عادتي بها فجرا إلى جوار النيل إن لم تكن فيه، وإذا بي أمام ديوان الأعمال الكاملة للشاعر القدير المرحوم (إبراهيم عيسى)، استفتحتُ الديوان، وإذا في صدره هذه السانحة من سوانح الخيال:

إلى مَنْ أدمن الليلَ
فما حيّاه إشراقُ
تعال فكلُّنا شوقٌ
وكلُّ الناس عشّاقُ

واصلتُ إلى أن وقفتُ على قصيدته الرائعة (عاشقُ النيل)، وهي قصيدة أنشأها في ذكرى الزعيم محمد فريد، وفيها قولُه:
يا عاشق النيل الولودِ أنا هنا
قدرٌ يخطُّ زمانَه إصرارا

فارقدْ على هذا التراب فطالما
ناجيتُه شوقا فحنّ وثارا

هل جاءكم نبأٌ يطوف بأرضنا
يشدو فيطرب لحنُه السّمّارا

عن عاشقٍ لبلاده ولأجلها
سحق الدجى والهول والأخطارا؟

بهذا البيت الأخير أغلقت الديوان، معيدا إياه إلى مكانه، ومعيدا ذاكرتي في الوقت نفسه إلى هذا الفضاء الأزرق (فيسبوك)، لأقارن بين هذا العاشق الذي يسحق الدجى والهول والأخطار، وذلك الذي يرجو أن يجفّ هذا النيل إرضاءً لهوى في نفسه، وهيهات فما يجريه الله ليس يوقفُه بشر، ولا ينصف اثنان: جاهل وصاحب هوي، والثاني شرٌّ من الأول، وأشدُّ مكرا.

عقدتُ يدي خلف رأسي مسندا لهما في آن معا إلى هذا الكرسي الأسود المقابل لهذه الكتب الصامتة؛ ليقع بصري على هذا الكتاب الضخم، والذي جاء تقريعا مباشرا لي؛ لأنه يحكي قصة التآمر منذ عهد بعيد، ذلكم هو كتاب (النيل في العصر البريطاني) لمؤلفه النيرويجي ت تفيدت، أستاذ الجغرافيا والتاريخ بجامعتي برجين وأسلو، وقد استفتح كتابه البارع باستهلال أشدّ براعة، حيث يقول: (ما نسميه سيطرة الإنسان على الطبيعة، تبيّن أنه لا يعني إلا سيطرة بعض الناس على أناس آخرين باستخدام الطبيعة أداة لتحقيق ذلك)، صحيح أنّ هذه القالة مقتبسة من كتاب آخر اسمه (إلغاء الإنسان)، وصحيح كذلك أنها اختيارٌ موفق، واختيار الإنسان جزء من عقله، وهو ما قاله الأقدمون.

على هذا فإنّ تاريخ التآمر على هذا النيل قديمٌ قِدم الاحتلال، وهو تاريخ يحكي فصلا من السياسة الاستعمارية القذرة في استغلال الطبيعة؛ لتحقيق الرخاء لبعض الشعوب وإن كان فيها هلاكٌ لآخرين، أو هو تاريخ يحكي لسُنة الإنسان في إلغاء الإنسان، هو تاريخ يحكي سبيلا من سبل السيطرة على الشعوب الإفريقية سواء أكانت السيطرة قبل الترسيم الحدودي أم كانت بعده.

جاء هذا الكتاب ليحكي –في صبر المستشرقين، وإن لم يكن في كل حال صبرا جميلا- تحكم الاستعمار الغربي في النيل وشعوبه منذ زمن بعيد في القرن التاسع عشر حتى النصف الثاني من القرن العشرين؛ لتبدأ رحلة تعرفت فيها شعوب النيل على حقيقة أنهم بشر أو كالبشر على قيد الحياة.

جاء الكتاب ليحكي في براعة لا تضاهيها براعة عن السياسات المائية، والسيطرة على النهر؛ وكيف تكونت على أساسه الإمبراطورية، وكيف انهارت هذه الإمبراطورية – والأرض لله يورثها من يشاء من عباده- لتبدأ رحلة أخرى لتقسيم هذه التركة، وفق أهواء أشد خطرا على شعوبها. وما أشبه الليلة بالبارحة!، ولكن لم يعد العدو في حاجة إلى الذهاب بعيدا إلى منابع النيل، أو مصبه؛ فقد كفاه بعضهم ذلك طائعين مختارين!.

هذه إطلالة على قصة النيل في العهد البريطاني، والله يحفظ مِصرنا: نيلا وشعبا وجيشا.

(النيل في العصر البريطانى
(النيل في العصر البريطانى

عن Mohamed Saber