الكذب والكذابون

أحمد محمد خضر

يقول الله عز وجل فى كتابه الكريم ” و يوم القيامة تري الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين ” , هنا لابد من التبصر إلى شيئين ألا و هما علاقة الكذب بالوجه و علاقته بالكِبر و علاقة الوجه بالكِبر….. أمر يثير الدهشة فعلا …. هل كل متكبر كذاب أم هل كل كذاب متكبر ؟ من هو الكذاب و ما هو الكذب وهل الكذاب يسعد فى حياته؟ و كيف يري ديننا الحنيف الكذاب ؟ و هل هناك علاقة بين الكذب و الرياء و النفاق ؟هل الكذاب مريض نفسيا ؟ و ما هى أسباب الكذب و ما هى عواقبه ؟ ماذا لو أصبح العالم كله صدق و ماذا لو أصبح العالم كله كذب ؟وما هى مشاعر هؤلاء الذين يخالطون أو يعايشون الكذاب ؟ تلك أسئلة دارت فى خلدي حينما أردت أن أطرح قضية الكذب فى مقالى هذا , عسى أن أجد لها إجابات كافية شافية تريح الصدر و تعطي درسا لكل كذاب لعله يتذكر أو يخشي .

الكذب صفة لا شك مذمومة من الرب والعبد لأنها تعني مخالفة الحقيقة و البشرية منذ نعومة أظفارها وهى تسعى للحقيقة دائما ,ولأن الكذوب دأبه طمس الحقائق التى يريدها الناس أو تحويلهم عنها أو إبعادهم عنها فهو اذا يغير وجهه و يغير وجهة الناس من الصواب للخطأ ومن ثم فهو ضال مضلل يستحق عذاب الله لذلك قال ربنا عزز و جل فى سورة البقرة الآية العاشرة “ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ” هذا عن الكفار لأنهم طمسوا الحقيقة الإيمانية , و يقول ربنا جل فى علاه مخاطبا المؤمنين محذرا إياهم من الكذب فى سورة الصف الآية الثانية و الثالثة ” يا أيها الذين آمنولا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون “اذا الكذب صفة ممقوتة ويقول رسولنا الكريم ” إياكم و الكذب , فإن الكذب يهدى إلى الفجور , وإن الفجور يهدى إلى النار ” صدق رسول الله, ولا يزال الرجل يكذب و يتحري الكذب حتى يكتب عند الله كذابا .

ولأن الكذب هو أصل الرياء و الرياء هو الشرك الأصغر لذلك قال رسول الله “إياكم و الشرك الأصغر قالو : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال الرياء .

فكل مراء كذاب و كل كذاب مراء

ولقد دار برأسى سؤال لما يكذب الناس, فوجدت أن الكذب نوعان :كذب عمد لتفادى موقف معين سيضع صاحبه فى أمر مشين فيبتعد عنه بالكذب و ربما يكون ذلك عارض و ليس صفة فى الشخص و شخص آخر أدمن الكذب حتي أصبح لا يستطيع العيش دونه و هؤلاء كثر . ومهما يكن من أمر فالكذب ممقوت لأنه إخفاء للحقيقة و صدق الشاعر حينما قال :

لا يكذب المرأ إلا من مهانته أو عادة السوء أو قلة الأدب

ولقد يعشق الكاذب مهنة الكذب و يستمتع بها لأنه خادع مخادع لا تروق له رائقة ولا يستبين له حق أبدا فهو يتلذذ بالقسوة التى أحدثها بين الخلق بسبب كذبه الذى ربما يفضى إلى القتل و زهق الأرواح لذلك قال ربنا عز فى علاه ” والفتنة أشد من القتل ” لأنها تفضى إليه و تحدثه .

و يقول المثل العربي ” من يكذب يسرق ” ليس الأمر كذلك ولكنه كما قال رسول الله فى حديثه الذى يعني أنه يمكن أن يكون المسلم زانيا ..و …و… ولكن لا يكون كذابا لأن الكذب أصل الموبقات كلها والكذاب و الميت سواء لأن فضيلة الحي النطق بالحق , فإن لم يوثق بكلام الكذاب فقد بطلت حياته .

هل يكسب الكذاب ؟ الإجابة لا شك سلبا لأنه دائما خاسر وإن كان مكسبه مؤقت فخسارته آتية لا محالة و ثمار كذبه لابد مجناة يوما ما سيكون أسود على رأسه .و من أكبر خسائره أنه لا يصدقه أحد أبدا إذا شاع عنه صفة الكذب . و يتمعر وجهه حينما يقع بين فكى الرحى و يظهر كذبه فيتمني أن تنشق الأرض و تبلعه بلعا وليس من قبيل الخطأ أن يكون الكاذب مريض لأنه يعانى طوال الوقت و عنده صراع داخلى بين قول الصدق الذى هو السجية البشرية و الفطرة التى فطر الله الناس عليها و بين الكذب فينتصر الكذب الذى هو مكرووه فلا يستريح أبدا حتى حين يكذب يكون فى رعب و خوف داخلى لأنه ربما لا يسبك كذبه أو تخرج منه لفظة تظهره لذلك قال العرب ” إذا كنت كذوبا فكن ذكورا “

وربما يسأل سائل ماذا لو أصبح العالم كله صادق , هل ستستقيم الحياة ؟ وربما يسأل أخر أليس ألله خلق الأضداد فى الكون ؟ نعم خلق الله الأضداد فى الكون ولكنه أراد أن يمحص البشر و يعلم سريرتهم لأنه جل و علا لم يخلق البشر على فطرة الكذب ولكنه فطرهم على الصدق فتجد الطفل يقول ما رأي وينطق بما سمع ووعي وتأتى أمه تنهرهه بل تسكته إذا أراد أن يصدق الناس و تلك مصيبة الجهلاء من ذوي الأمر .

ولقد أباح الإسلام الكذب فقط فى حالة الإصلاح بين طائفتين لترقيق القلوب و تقريب النفوس و تشعيب الأرواح و أيضا بين الرجل وزوجته إذا كانت غير جميلة ثم هو يمدحها بما لا تمتلك من جمال لأن تلك حياة زوجية نريد لها الإستقرار و المودة ولعل من أعقل الرجال من يمدح زوجته بما ليس فيها من صفات وربما يكون فى هدوء أسري جميل , وأيضا الكذب فى الحروب لأن الحرب خدعة ومصير أمم ولا ينبغى إفشاء أسرار فيها . فلم ولن يدعو الإسلام أبدا إلى هدم بل ديدن الإسلام هو البناء .

وما عسى أن يكون العالم لو كان كله صدق ؟ كان الناس سيعيشون فى راحة و أمن وسلام يتفيأون من ظلال الأرض و يستريحون من عنت الحياة و من ويلات الحروب و شرور القتل و الهدم . ولقد كان العرب القدماء قبل الإسلام يتحرون الصدق و يكاد يكون الرجل كبيرا فى قومه لأنه معروف بالصدق , ليس هذا فحسب بل إن كل الأمم على اختلاف دياناتها و مللها و عباداتها تمقت الكذب فيقول مارتن لوثر “الكذبة كرة من الثلج تكبر كلما دحرجتها “و هذا يتماشى مع قول الرسول…. و يتحري الكذب حتي يكتب عند الله كذابا . و يقول لافونتين ” الكذاب و الدجال و المتملق يعيشون على حساب من يصغى اليهم “.

أخيرا و ليس بأخر لا أجد أجمل من قول ربنا ” ناصية كاذبة خاطئة ” التى صدقها العلماء فى بحوثهم ليجدوا أن مقدمة الرأس هى المسؤل الأول عن عملية الكذب لذك سيكون الأخذ منها و العذاب لها . هكذا يكون الوجه و مقدمته مسؤلين عن عملية الكذب و الوجه يتمعر و ينكسف حينما ينكشف أمر صاحب الكذب و عليه فهو ما يبدو عليه الكبر لذلك حق عليه قول ربنا ” و يوم القيامة تري الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ” ثم يعطى جوابا على هيئة استفهام استنكاري أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين ؟ بلى يارب لهم مثوى و أسوأ مثوى . أللهم أنا نعوذ بك من الكذب و الكذابين ومن الرياء و المرائين و اجعل الصدق لصقا فى ألسنتنا و ابعد النار عن نواصينا و اجعلهم نواصى صدق يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

عن Ebrahim Hamed