فظاظة العشق/ قصة قصيرة بقلم / التونسية هدى الهرمي نزعت عنها خمول الظهيرة و جاهدت في التخلص من طرواة السرير والأنفاس المضطجعة فوقه، لترّتق العشق الذي اكتسح جسدها الغضّ وسط غلالة حمراء من دانتيل معتق بالغواية، كميثولوجيا اغريقية تكشف عن سائر مفاتنها. كان موعدها المنشود، بعد هجر و انتظار مكلّل بلقاء، مكتحلة بجمر الأشواق و صلافة الحنين تجاه هارون، سيّد قلبها و حبيبها المحتجز في أروقة فؤادها رغم بروده و عصبيّته اغلب الوقت. انه شابّ يافع و وسيم، لكنه غامض، فلا غرابة ان تدفن بين ضلوعه صباها الآسر، لتوقد شعلة انوثتها و تغرم به الى أبعد حدّ كلما استغرق وقتا في الغياب. ما كان بوسعها ان تفعلها و تكشف أسراره الخاصّة. فقط التئام شملهما كان أقصى غايتها. لمحته واقفا عند النافذة شارد اللبّ، بينما الشمس تغازل صدره العاري و عضلاته القويّة، و هو رابض دون حراك مستسلما لأشعّتها الحارقة. هرعت اليه برفق و سألته : " هارون ...حبيبي انت بخير !" أخفت نور قلقها و توجّسها. انها تخشى عاطفتها الجامحة قبالة شعوره الباهت تجاهها. عندما لم تتلقّ جوابا منه، استطردت قائلة: " ثمّة صمت يقتلني و هو موجع أكثر من النطق" التفت اليها هارون أخيرا. مرّر أصابعه على وجهها ثم داعب عظام وجنتيها المتألقة لينبري قائلا : " كنت تغزلين ليلتنا البارحة بشقاوة طافحة" طبع قبلة على جبينها و هو يحملق فيها حيث بدت له مضيئة و شفّافة كبدر ليلة اكتماله. ثم حبس أنفاسه و هو مذهول بالملمس الناعم و المنزلق كالحرير. ضحكت نور بغنج فائض و هي تجرّه من يده الى الطاولة القابعة وسط الغرفة المتبرّجة بوجبة حبّ. كانت الأقداح ملفعة ببقايا الشفاه، مع شمعدان فاخر لم يأنف من الاشتعال، كأنه يدندن على ايقاع النشوة المستحوذة على الأجواء. أرغم هارون نفسه على الجلوس من أجلها، انما لم يطق ذلك. و انحرف بتوترّ غير مُسبق بدى على محيّاه. التقط سيجارة و نفث دخان حيرته في الفراغ دون أن ينبس ببنت شفة. لقد صعب عليه الأمر رغم حرصه على عدم اظهار تلك الفجوة السحيقة بينهما. الا انّ هواجسه تندلق بشراسة و تجلد عاطفته الطفيفة ثم تقذف امتعاضه من هذا الرضوخ المتهّور لغرائزه. مال نحو النافذة مرّة اخرى ثم اهتزّ بفزع. ذات مرّة ظنّ انه عرف ما يجب فعله. لقد انضمّ لجبهة المقاومة. الآن اختلطت عليه الأوراق. ثمة شيء خطأ. بدا كما لو أنه في شجار مرير مع نفسه. تنشّق رائحة نور و هي تتهاوى بحركات مائلة و تلتصق به. صار قلبه يخفق بنحو مضطرب. خفضت بصرها و هي تحبس أنفاسها باستهجان و غرابة. هدوءه المروّع يُشتّتها بعد ليلة صاخبة كانت تمضغ فيها جُلّ فاكهتها لتحيلها الى شهد رطب بين فكيّه، ثم تسقي ظمأ الحناجر بنبيذ معتّق في أسحار اللهفة و جوع العناق. تفحّصت ملامحه و هي تجلس بقلق عند حافّة السرير. انتظرت أن ينتهي من تدخين السيجارة و يضطجع بقربها. ثم قرّرت أن تنال من شروده و تقطع صمته اللعين. " ما الأمر ...تبدو قلقا !" سألته، و هي تتجّه نحوه، ثم تقبض على ذقنه و ترفع رأسه تجاهها لتلمح ابتسامة حزينة. يبدو جذّابا و قاسيا. تعرف جيّدا انه يُشبه "بول استر" بوسامته و انه مغرم بالأدب العالمي ليس أكثر لكنها تجهل أفكاره المنفلة من السائد و المُشبعة بثقافة ثوريّة. لطالما أحبّ تشي غيفارا، و انغمس في كتب التاريخ و الملاحم الاسطورية لتطارده شعارات الثوّار، تمخضّ عنها هتاف عميق مأهول بنشيد المقاومة و ما الى ذلك من صلابة المواقف المصيرية. كان صوته بطيئا و متكاسلا و هو يقول: " نور...في الوقت الذي أبحث فيه عن حقيقة شعوري تجاهك، كلّفني الأمر عصيانا من نوع آخر" . سحب الى الأسفل ستار النافذة ثم ابتسم ابتسامة عريضة خالية من أي تعاطف. انه يختار مجازفته بعد ان ظلّ معظم الوقت يقوّم صيغة الاعتراف. " الأحلام الطريّة التي ائتمنتها لديّ مستحيلة...ما يحصل بيننا هراء و نزوات خرقاء " صارت عيناه قاتمتان و رأسه يضجّ بالحيرة. أحسّ كما لو انه يغرق، و لم يكن بمقدوره ان يرفع رأسه و يتفرّس وجهها. رفعت نور حاجبين غير مُصدّقة. و بصوت نضج قالت : " حقا!...هذه دعابة سخيفة " كانت ذراعاها تطوّقه، بينما وجهها متورّد و كلماتها أشبه بغصّة. انها تنوي أن تحوز قلبه بأي طريقة. لكن ستكون تلك أكبر غلطة اذا فشلت في زعزعة عناده. لكن برودة هارون اخترقت روحها كجرس الخيبة. لم يكن بوسعها ان تستشعر كل هذا الضعف الذي يجعلها تتكسّر الى شظايا، مع أنه كان من دأبها ان تكون امراة قويّة. انها تحبه جدّا. و هو يعرف كم هي حسّاسة، لكنها فشلت في ردم ذاكرته المثخنة بالألم بعد استشهاد والده منذ أول شهقة ميلاد أخرجته الى دوّامة الحياة و ثبتّته كوتد في خارطة وطن انهكه الاحتلال. تململ هارون في مكانه، و عيناه تنظران صوب نور و هي تمسح وجهه برقّة يغالبها القلق، ثم انتفض ليلتقط يدها و يبعدها بقوّة. تنّفس بعمق، ناهشا صمته بتذمّر قائلا : "قدري صعب وقضيّتي لا مفرّ منها...انها وامضة كشيء حيّ" ثم تقهقر صوته و غاب ليعود كأنه ارتعاشة الصدى. "لن ابق منفيّا في غربتي يا نور و لن أخون ذاكرتي، هناك ثأر يُشعرني بالسأم من كلّ شيء " استجمع هارون رباطة جأشه و تجاوز نور و قد بدأ يرتدي ملابسه قبل برهة وجيزة. مسكت يده بأصابع مرتعشة ثم هزّت كتفيها و تطلّعت اليه بعينين واسعين كأنها تتحدّاه : " لقد تأخرت. علٍقنا في العشق و لا مهرب" ردّ عليها قائلا بعد ان أطلق ضحكة قصيرة : "انا آسف جدّا، هناك فظاظة سلبت كل ضوضاء العشق. انتِ لست مبتغاي " خرج مسرعا من الشقّة، ثم صفق الباب وراءه. دبّت رعشة في أوصال نور. انفجرت بالبكاء ثم انهارت فوق السرير و هي تهذي بصوت كسير : " سأكرهك الى الأبد " ثم كرّرت الكلمات بنبرة سخط و شعرت بأن جسدها يتصلّب و حلقها يجفّ. حيث كان عالمها يتهاوى من حولها.انها متيقّنة الآن أن الجرعة الزائدة من العشق قد نسفت كل آمالها في الفوز بهارون و أن خياراتها لم تجبره على حبّها بل انشئت في قلبه الشفقة ثم ركلة مستاءة. في غضون دقائق قليلة سمعت دويّ انفجار اهتز له كامل المبنى.

الشاعرة والكاتبة هدى الهرمي تكتب/ فظاظة العشق

فظاظة العشق/ قصة قصيرة بقلم / التونسية هدى الهرمي

نزعت عنها خمول الظهيرة و جاهدت في التخلص من طرواة السرير والأنفاس المضطجعة فوقه، لترّتق العشق الذي اكتسح جسدها الغضّ وسط غلالة حمراء من دانتيل معتق بالغواية، كميثولوجيا اغريقية تكشف عن سائر مفاتنها.
كان موعدها المنشود، بعد هجر و انتظار مكلّل بلقاء، مكتحلة بجمر الأشواق و صلافة الحنين تجاه هارون، سيّد قلبها و حبيبها المحتجز في أروقة فؤادها رغم بروده و عصبيّته اغلب الوقت.
انه شابّ يافع و وسيم، لكنه غامض، فلا غرابة ان تدفن بين ضلوعه صباها الآسر، لتوقد شعلة انوثتها و تغرم به الى أبعد حدّ كلما استغرق وقتا في الغياب. ما كان بوسعها ان تفعلها و تكشف أسراره الخاصّة. فقط التئام شملهما كان أقصى غايتها.
لمحته واقفا عند النافذة شارد اللبّ، بينما الشمس تغازل صدره العاري و عضلاته القويّة، و هو رابض دون حراك مستسلما لأشعّتها الحارقة.
هرعت اليه برفق و سألته :
” هارون …حبيبي انت بخير !”
أخفت نور قلقها و توجّسها. انها تخشى عاطفتها الجامحة قبالة شعوره الباهت تجاهها.
عندما لم تتلقّ جوابا منه، استطردت قائلة:
” ثمّة صمت يقتلني و هو موجع أكثر من النطق”
التفت اليها هارون أخيرا. مرّر أصابعه على وجهها ثم داعب عظام وجنتيها المتألقة لينبري قائلا :
” كنت تغزلين ليلتنا البارحة بشقاوة طافحة”
طبع قبلة على جبينها و هو يحملق فيها حيث بدت له مضيئة و شفّافة كبدر ليلة اكتماله. ثم حبس أنفاسه و هو مذهول بالملمس الناعم و المنزلق كالحرير.
ضحكت نور بغنج فائض و هي تجرّه من يده الى الطاولة القابعة وسط الغرفة المتبرّجة بوجبة حبّ.
كانت الأقداح ملفعة ببقايا الشفاه، مع شمعدان فاخر لم يأنف من الاشتعال، كأنه يدندن على ايقاع النشوة المستحوذة على الأجواء.
أرغم هارون نفسه على الجلوس من أجلها، انما لم يطق ذلك. و انحرف بتوترّ غير مُسبق بدى على محيّاه. التقط سيجارة و نفث دخان حيرته في الفراغ دون أن ينبس ببنت شفة.
لقد صعب عليه الأمر رغم حرصه على عدم اظهار تلك الفجوة السحيقة بينهما. الا انّ هواجسه تندلق بشراسة و تجلد عاطفته الطفيفة ثم تقذف امتعاضه من هذا الرضوخ المتهّور لغرائزه. مال نحو النافذة مرّة اخرى ثم اهتزّ بفزع.
ذات مرّة ظنّ انه عرف ما يجب فعله. لقد انضمّ لجبهة المقاومة. الآن اختلطت عليه الأوراق. ثمة شيء خطأ. بدا كما لو أنه في شجار مرير مع نفسه. تنشّق رائحة نور و هي تتهاوى بحركات مائلة و تلتصق به. صار قلبه يخفق بنحو مضطرب.
خفضت بصرها و هي تحبس أنفاسها باستهجان و غرابة. هدوءه المروّع يُشتّتها بعد ليلة صاخبة كانت تمضغ فيها جُلّ فاكهتها لتحيلها الى شهد رطب بين فكيّه، ثم تسقي ظمأ الحناجر بنبيذ معتّق في أسحار اللهفة و جوع العناق.
تفحّصت ملامحه و هي تجلس بقلق عند حافّة السرير. انتظرت أن ينتهي من تدخين السيجارة و يضطجع بقربها.
ثم قرّرت أن تنال من شروده و تقطع صمته اللعين.
” ما الأمر …تبدو قلقا !”
سألته، و هي تتجّه نحوه، ثم تقبض على ذقنه و ترفع رأسه تجاهها لتلمح ابتسامة حزينة. يبدو جذّابا و قاسيا.
تعرف جيّدا انه يُشبه “بول استر” بوسامته و انه مغرم بالأدب العالمي ليس أكثر لكنها تجهل أفكاره المنفلة من السائد و المُشبعة بثقافة ثوريّة. لطالما أحبّ تشي غيفارا، و انغمس في كتب التاريخ و الملاحم الاسطورية لتطارده شعارات
الثوّار، تمخضّ عنها هتاف عميق مأهول بنشيد المقاومة و ما الى ذلك من صلابة المواقف المصيرية.
كان صوته بطيئا و متكاسلا و هو يقول:
” نور…في الوقت الذي أبحث فيه عن حقيقة شعوري تجاهك، كلّفني الأمر عصيانا من نوع آخر” .
سحب الى الأسفل ستار النافذة ثم ابتسم ابتسامة عريضة خالية من أي تعاطف. انه يختار مجازفته بعد ان ظلّ معظم الوقت يقوّم صيغة الاعتراف.
” الأحلام الطريّة التي ائتمنتها لديّ مستحيلة…ما يحصل بيننا هراء و نزوات خرقاء ”
صارت عيناه قاتمتان و رأسه يضجّ بالحيرة. أحسّ كما لو انه يغرق، و لم يكن بمقدوره ان يرفع رأسه و يتفرّس وجهها.
رفعت نور حاجبين غير مُصدّقة. و بصوت نضج قالت :
” حقا!…هذه دعابة سخيفة “
كانت ذراعاها تطوّقه، بينما وجهها متورّد و كلماتها أشبه بغصّة. انها تنوي أن تحوز قلبه بأي طريقة. لكن ستكون تلك أكبر غلطة اذا فشلت في زعزعة عناده. لكن برودة هارون اخترقت روحها كجرس الخيبة.
لم يكن بوسعها ان تستشعر كل هذا الضعف الذي يجعلها تتكسّر الى شظايا، مع أنه كان من دأبها ان تكون امراة قويّة.
انها تحبه جدّا. و هو يعرف كم هي حسّاسة، لكنها فشلت في ردم ذاكرته المثخنة بالألم بعد استشهاد والده منذ أول شهقة ميلاد أخرجته الى دوّامة الحياة و ثبتّته كوتد في خارطة وطن انهكه الاحتلال.
تململ هارون في مكانه، و عيناه تنظران صوب نور و هي تمسح وجهه برقّة يغالبها القلق، ثم انتفض ليلتقط يدها و يبعدها بقوّة. تنّفس بعمق، ناهشا صمته بتذمّر قائلا :
“قدري صعب وقضيّتي لا مفرّ منها…انها وامضة كشيء حيّ”
ثم تقهقر صوته و غاب ليعود كأنه ارتعاشة الصدى.
“لن ابق منفيّا في غربتي يا نور و لن أخون ذاكرتي، هناك ثأر يُشعرني بالسأم من كلّ شيء “
استجمع هارون رباطة جأشه و تجاوز نور و قد بدأ يرتدي ملابسه قبل برهة وجيزة. مسكت يده بأصابع مرتعشة ثم هزّت كتفيها و تطلّعت اليه بعينين واسعين كأنها تتحدّاه :
” لقد تأخرت. علٍقنا في العشق و لا مهرب”
ردّ عليها قائلا بعد ان أطلق ضحكة قصيرة :
“انا آسف جدّا، هناك فظاظة سلبت كل ضوضاء العشق. انتِ لست مبتغاي “
خرج مسرعا من الشقّة، ثم صفق الباب وراءه.
دبّت رعشة في أوصال نور. انفجرت بالبكاء ثم انهارت فوق السرير و هي تهذي بصوت كسير :
” سأكرهك الى الأبد ”
ثم كرّرت الكلمات بنبرة سخط و شعرت بأن جسدها يتصلّب و حلقها يجفّ. حيث كان عالمها يتهاوى من حولها.انها متيقّنة الآن أن الجرعة الزائدة من العشق قد نسفت كل آمالها في الفوز بهارون و أن خياراتها لم تجبره على حبّها بل انشئت في قلبه الشفقة ثم ركلة مستاءة.
في غضون دقائق قليلة سمعت دويّ انفجار اهتز له كامل المبنى

بقلم هدى الهرمي / تونس

فظاظة العشق/ قصة قصيرة بقلم / التونسية هدى الهرمي  نزعت عنها خمول الظهيرة و جاهدت في التخلص من طرواة السرير والأنفاس المضطجعة فوقه، لترّتق العشق الذي اكتسح جسدها الغضّ وسط غلالة حمراء من دانتيل معتق بالغواية، كميثولوجيا اغريقية تكشف عن سائر مفاتنها. كان موعدها المنشود، بعد هجر و انتظار مكلّل بلقاء، مكتحلة بجمر الأشواق و صلافة الحنين تجاه هارون، سيّد قلبها و حبيبها المحتجز في أروقة فؤادها رغم بروده و عصبيّته اغلب الوقت. انه شابّ يافع و وسيم، لكنه غامض، فلا غرابة ان تدفن بين ضلوعه صباها الآسر، لتوقد شعلة انوثتها و تغرم به الى أبعد حدّ كلما استغرق وقتا في الغياب. ما كان بوسعها ان تفعلها و تكشف أسراره الخاصّة. فقط التئام شملهما كان أقصى غايتها. لمحته واقفا عند النافذة شارد اللبّ، بينما الشمس تغازل صدره العاري و عضلاته القويّة، و هو رابض دون حراك مستسلما لأشعّتها الحارقة. هرعت اليه برفق و سألته : " هارون ...حبيبي انت بخير !" أخفت نور قلقها و توجّسها. انها تخشى عاطفتها الجامحة قبالة شعوره الباهت تجاهها. عندما لم تتلقّ جوابا منه، استطردت قائلة: " ثمّة صمت يقتلني و هو موجع أكثر من النطق" التفت اليها هارون أخيرا. مرّر أصابعه على وجهها ثم داعب عظام وجنتيها المتألقة لينبري قائلا : " كنت تغزلين ليلتنا البارحة بشقاوة طافحة" طبع قبلة على جبينها و هو يحملق فيها حيث بدت له مضيئة و شفّافة كبدر ليلة اكتماله. ثم حبس أنفاسه و هو مذهول بالملمس الناعم و المنزلق كالحرير. ضحكت نور بغنج فائض و هي تجرّه من يده الى الطاولة القابعة وسط الغرفة المتبرّجة بوجبة حبّ. كانت الأقداح ملفعة ببقايا الشفاه، مع شمعدان فاخر لم يأنف من الاشتعال، كأنه يدندن على ايقاع النشوة المستحوذة على الأجواء. أرغم هارون نفسه على الجلوس من أجلها، انما لم يطق ذلك. و انحرف بتوترّ غير مُسبق بدى على محيّاه. التقط سيجارة و نفث دخان حيرته في الفراغ دون أن ينبس ببنت شفة. لقد صعب عليه الأمر رغم حرصه على عدم اظهار تلك الفجوة السحيقة بينهما. الا انّ هواجسه تندلق بشراسة و تجلد عاطفته الطفيفة ثم تقذف امتعاضه من هذا الرضوخ المتهّور لغرائزه. مال نحو النافذة مرّة اخرى ثم اهتزّ بفزع. ذات مرّة ظنّ انه عرف ما يجب فعله. لقد انضمّ لجبهة المقاومة. الآن اختلطت عليه الأوراق. ثمة شيء خطأ. بدا كما لو أنه في شجار مرير مع نفسه. تنشّق رائحة نور و هي تتهاوى بحركات مائلة و تلتصق به. صار قلبه يخفق بنحو مضطرب. خفضت بصرها و هي تحبس أنفاسها باستهجان و غرابة. هدوءه المروّع يُشتّتها بعد ليلة صاخبة كانت تمضغ فيها جُلّ فاكهتها لتحيلها الى شهد رطب بين فكيّه، ثم تسقي ظمأ الحناجر بنبيذ معتّق في أسحار اللهفة و جوع العناق. تفحّصت ملامحه و هي تجلس بقلق عند حافّة السرير. انتظرت أن ينتهي من تدخين السيجارة و يضطجع بقربها. ثم قرّرت أن تنال من شروده و تقطع صمته اللعين. " ما الأمر ...تبدو قلقا !" سألته، و هي تتجّه نحوه، ثم تقبض على ذقنه و ترفع رأسه تجاهها لتلمح ابتسامة حزينة. يبدو جذّابا و قاسيا. تعرف جيّدا انه يُشبه "بول استر" بوسامته و انه مغرم بالأدب العالمي ليس أكثر لكنها تجهل أفكاره المنفلة من السائد و المُشبعة بثقافة ثوريّة. لطالما أحبّ تشي غيفارا، و انغمس في كتب التاريخ و الملاحم الاسطورية لتطارده شعارات الثوّار، تمخضّ عنها هتاف عميق مأهول بنشيد المقاومة و ما الى ذلك من صلابة المواقف المصيرية. كان صوته بطيئا و متكاسلا و هو يقول: " نور...في الوقت الذي أبحث فيه عن حقيقة شعوري تجاهك، كلّفني الأمر عصيانا من نوع آخر" . سحب الى الأسفل ستار النافذة ثم ابتسم ابتسامة عريضة خالية من أي تعاطف. انه يختار مجازفته بعد ان ظلّ معظم الوقت يقوّم صيغة الاعتراف. " الأحلام الطريّة التي ائتمنتها لديّ مستحيلة...ما يحصل بيننا هراء و نزوات خرقاء " صارت عيناه قاتمتان و رأسه يضجّ بالحيرة. أحسّ كما لو انه يغرق، و لم يكن بمقدوره ان يرفع رأسه و يتفرّس وجهها. رفعت نور حاجبين غير مُصدّقة. و بصوت نضج قالت : " حقا!...هذه دعابة سخيفة " كانت ذراعاها تطوّقه، بينما وجهها متورّد و كلماتها أشبه بغصّة. انها تنوي أن تحوز قلبه بأي طريقة. لكن ستكون تلك أكبر غلطة اذا فشلت في زعزعة عناده. لكن برودة هارون اخترقت روحها كجرس الخيبة. لم يكن بوسعها ان تستشعر كل هذا الضعف الذي يجعلها تتكسّر الى شظايا، مع أنه كان من دأبها ان تكون امراة قويّة. انها تحبه جدّا. و هو يعرف كم هي حسّاسة، لكنها فشلت في ردم ذاكرته المثخنة بالألم بعد استشهاد والده منذ أول شهقة ميلاد أخرجته الى دوّامة الحياة و ثبتّته كوتد في خارطة وطن انهكه الاحتلال. تململ هارون في مكانه، و عيناه تنظران صوب نور و هي تمسح وجهه برقّة يغالبها القلق، ثم انتفض ليلتقط يدها و يبعدها بقوّة. تنّفس بعمق، ناهشا صمته بتذمّر قائلا : "قدري صعب وقضيّتي لا مفرّ منها...انها وامضة كشيء حيّ" ثم تقهقر صوته و غاب ليعود كأنه ارتعاشة الصدى. "لن ابق منفيّا في غربتي يا نور و لن أخون ذاكرتي، هناك ثأر يُشعرني بالسأم من كلّ شيء " استجمع هارون رباطة جأشه و تجاوز نور و قد بدأ يرتدي ملابسه قبل برهة وجيزة. مسكت يده بأصابع مرتعشة ثم هزّت كتفيها و تطلّعت اليه بعينين واسعين كأنها تتحدّاه : " لقد تأخرت. علٍقنا في العشق و لا مهرب" ردّ عليها قائلا بعد ان أطلق ضحكة قصيرة : "انا آسف جدّا، هناك فظاظة سلبت كل ضوضاء العشق. انتِ لست مبتغاي " خرج مسرعا من الشقّة، ثم صفق الباب وراءه. دبّت رعشة في أوصال نور. انفجرت بالبكاء ثم انهارت فوق السرير و هي تهذي بصوت كسير : " سأكرهك الى الأبد " ثم كرّرت الكلمات بنبرة سخط و شعرت بأن جسدها يتصلّب و حلقها يجفّ. حيث كان عالمها يتهاوى من حولها.انها متيقّنة الآن أن الجرعة الزائدة من العشق قد نسفت كل آمالها في الفوز بهارون و أن خياراتها لم تجبره على حبّها بل انشئت في قلبه الشفقة ثم ركلة مستاءة. في غضون دقائق قليلة سمعت دويّ انفجار اهتز له كامل المبنى.

فظاظة العشق/ قصة قصيرة بقلم / التونسية هدى الهرمي  نزعت عنها خمول الظهيرة و جاهدت في التخلص من طرواة السرير والأنفاس المضطجعة فوقه، لترّتق العشق الذي اكتسح جسدها الغضّ وسط غلالة حمراء من دانتيل معتق بالغواية، كميثولوجيا اغريقية تكشف عن سائر مفاتنها. كان موعدها المنشود، بعد هجر و انتظار مكلّل بلقاء، مكتحلة بجمر الأشواق و صلافة الحنين تجاه هارون، سيّد قلبها و حبيبها المحتجز في أروقة فؤادها رغم بروده و عصبيّته اغلب الوقت. انه شابّ يافع و وسيم، لكنه غامض، فلا غرابة ان تدفن بين ضلوعه صباها الآسر، لتوقد شعلة انوثتها و تغرم به الى أبعد حدّ كلما استغرق وقتا في الغياب. ما كان بوسعها ان تفعلها و تكشف أسراره الخاصّة. فقط التئام شملهما كان أقصى غايتها. لمحته واقفا عند النافذة شارد اللبّ، بينما الشمس تغازل صدره العاري و عضلاته القويّة، و هو رابض دون حراك مستسلما لأشعّتها الحارقة. هرعت اليه برفق و سألته : " هارون ...حبيبي انت بخير !" أخفت نور قلقها و توجّسها. انها تخشى عاطفتها الجامحة قبالة شعوره الباهت تجاهها. عندما لم تتلقّ جوابا منه، استطردت قائلة: " ثمّة صمت يقتلني و هو موجع أكثر من النطق" التفت اليها هارون أخيرا. مرّر أصابعه على وجهها ثم داعب عظام وجنتيها المتألقة لينبري قائلا : " كنت تغزلين ليلتنا البارحة بشقاوة طافحة" طبع قبلة على جبينها و هو يحملق فيها حيث بدت له مضيئة و شفّافة كبدر ليلة اكتماله. ثم حبس أنفاسه و هو مذهول بالملمس الناعم و المنزلق كالحرير. ضحكت نور بغنج فائض و هي تجرّه من يده الى الطاولة القابعة وسط الغرفة المتبرّجة بوجبة حبّ. كانت الأقداح ملفعة ببقايا الشفاه، مع شمعدان فاخر لم يأنف من الاشتعال، كأنه يدندن على ايقاع النشوة المستحوذة على الأجواء. أرغم هارون نفسه على الجلوس من أجلها، انما لم يطق ذلك. و انحرف بتوترّ غير مُسبق بدى على محيّاه. التقط سيجارة و نفث دخان حيرته في الفراغ دون أن ينبس ببنت شفة. لقد صعب عليه الأمر رغم حرصه على عدم اظهار تلك الفجوة السحيقة بينهما. الا انّ هواجسه تندلق بشراسة و تجلد عاطفته الطفيفة ثم تقذف امتعاضه من هذا الرضوخ المتهّور لغرائزه. مال نحو النافذة مرّة اخرى ثم اهتزّ بفزع. ذات مرّة ظنّ انه عرف ما يجب فعله. لقد انضمّ لجبهة المقاومة. الآن اختلطت عليه الأوراق. ثمة شيء خطأ. بدا كما لو أنه في شجار مرير مع نفسه. تنشّق رائحة نور و هي تتهاوى بحركات مائلة و تلتصق به. صار قلبه يخفق بنحو مضطرب. خفضت بصرها و هي تحبس أنفاسها باستهجان و غرابة. هدوءه المروّع يُشتّتها بعد ليلة صاخبة كانت تمضغ فيها جُلّ فاكهتها لتحيلها الى شهد رطب بين فكيّه، ثم تسقي ظمأ الحناجر بنبيذ معتّق في أسحار اللهفة و جوع العناق. تفحّصت ملامحه و هي تجلس بقلق عند حافّة السرير. انتظرت أن ينتهي من تدخين السيجارة و يضطجع بقربها. ثم قرّرت أن تنال من شروده و تقطع صمته اللعين. " ما الأمر ...تبدو قلقا !" سألته، و هي تتجّه نحوه، ثم تقبض على ذقنه و ترفع رأسه تجاهها لتلمح ابتسامة حزينة. يبدو جذّابا و قاسيا. تعرف جيّدا انه يُشبه "بول استر" بوسامته و انه مغرم بالأدب العالمي ليس أكثر لكنها تجهل أفكاره المنفلة من السائد و المُشبعة بثقافة ثوريّة. لطالما أحبّ تشي غيفارا، و انغمس في كتب التاريخ و الملاحم الاسطورية لتطارده شعارات الثوّار، تمخضّ عنها هتاف عميق مأهول بنشيد المقاومة و ما الى ذلك من صلابة المواقف المصيرية. كان صوته بطيئا و متكاسلا و هو يقول: " نور...في الوقت الذي أبحث فيه عن حقيقة شعوري تجاهك، كلّفني الأمر عصيانا من نوع آخر" . سحب الى الأسفل ستار النافذة ثم ابتسم ابتسامة عريضة خالية من أي تعاطف. انه يختار مجازفته بعد ان ظلّ معظم الوقت يقوّم صيغة الاعتراف. " الأحلام الطريّة التي ائتمنتها لديّ مستحيلة...ما يحصل بيننا هراء و نزوات خرقاء " صارت عيناه قاتمتان و رأسه يضجّ بالحيرة. أحسّ كما لو انه يغرق، و لم يكن بمقدوره ان يرفع رأسه و يتفرّس وجهها. رفعت نور حاجبين غير مُصدّقة. و بصوت نضج قالت : " حقا!...هذه دعابة سخيفة " كانت ذراعاها تطوّقه، بينما وجهها متورّد و كلماتها أشبه بغصّة. انها تنوي أن تحوز قلبه بأي طريقة. لكن ستكون تلك أكبر غلطة اذا فشلت في زعزعة عناده. لكن برودة هارون اخترقت روحها كجرس الخيبة. لم يكن بوسعها ان تستشعر كل هذا الضعف الذي يجعلها تتكسّر الى شظايا، مع أنه كان من دأبها ان تكون امراة قويّة. انها تحبه جدّا. و هو يعرف كم هي حسّاسة، لكنها فشلت في ردم ذاكرته المثخنة بالألم بعد استشهاد والده منذ أول شهقة ميلاد أخرجته الى دوّامة الحياة و ثبتّته كوتد في خارطة وطن انهكه الاحتلال. تململ هارون في مكانه، و عيناه تنظران صوب نور و هي تمسح وجهه برقّة يغالبها القلق، ثم انتفض ليلتقط يدها و يبعدها بقوّة. تنّفس بعمق، ناهشا صمته بتذمّر قائلا : "قدري صعب وقضيّتي لا مفرّ منها...انها وامضة كشيء حيّ" ثم تقهقر صوته و غاب ليعود كأنه ارتعاشة الصدى. "لن ابق منفيّا في غربتي يا نور و لن أخون ذاكرتي، هناك ثأر يُشعرني بالسأم من كلّ شيء " استجمع هارون رباطة جأشه و تجاوز نور و قد بدأ يرتدي ملابسه قبل برهة وجيزة. مسكت يده بأصابع مرتعشة ثم هزّت كتفيها و تطلّعت اليه بعينين واسعين كأنها تتحدّاه : " لقد تأخرت. علٍقنا في العشق و لا مهرب" ردّ عليها قائلا بعد ان أطلق ضحكة قصيرة : "انا آسف جدّا، هناك فظاظة سلبت كل ضوضاء العشق. انتِ لست مبتغاي " خرج مسرعا من الشقّة، ثم صفق الباب وراءه. دبّت رعشة في أوصال نور. انفجرت بالبكاء ثم انهارت فوق السرير و هي تهذي بصوت كسير : " سأكرهك الى الأبد " ثم كرّرت الكلمات بنبرة سخط و شعرت بأن جسدها يتصلّب و حلقها يجفّ. حيث كان عالمها يتهاوى من حولها.انها متيقّنة الآن أن الجرعة الزائدة من العشق قد نسفت كل آمالها في الفوز بهارون و أن خياراتها لم تجبره على حبّها بل انشئت في قلبه الشفقة ثم ركلة مستاءة. في غضون دقائق قليلة سمعت دويّ انفجار اهتز له كامل المبنى.

عن maher tarad