الخنساء المصرية زوجة و أم الشهيد

بقلم ربيع جودة.

لقد فقدت زوجها الضابط فى حرب فلسطين ١٩٤٨م ، حيث استشهد البطل و ترك زوجة و ابن لم يتجاوز عمره العام فصبرت و احتسبته عند الله و كرست حياتها لتربية الإبن تربية صالحة تليق بمقام أبوه الشهيد ، و كذا حافظت على أرضه التى تزيد عن ثلاثين فداناً مزروعة فاكهة و يحيط بها صور لأنها قطعة واحدة و مزوده بمسقى خصوصى متفرع من الترعة الرئسية ، و مستعينة ببعض العمال المخلصين منهم من يتابع الزراعة و الشجر مثل الرى و الكيماويات و المبيدات فى مواعيدها للحفاظ عليها من الآفات و البعض حراس للمزرعة .

و استمر الحال على هدوئه و طيبة أهل الريف تسود المكان ، إلى أن حلت المرارة القاسية على مصر كلها بنكسة ١٩٦٧م و تشرب الشعب المرارة و لكنه لم يقبل الهوان ، فكانت الإنتفاضة الكبرى من مظاهرات عمت جموع الشعب فى كل الميادين تطالب القائد الراحل جمال عبدالناصر بالعدول عن التنحى ، و الإستعداد لتسليح الجيش و معركة حاسمة تعيد للمصرين عزهم و كرامتهم .

و كان إبن الشهيد قد بلغ من العمر ثمانية عشر عاماً و بما عرف عنه من أصالة المصرى و عراقة التربية و الكرامة التى لا تقبل الهوان و بدم الشهيد الذى يجرى فى عروقه أصر على الإلتحاق بالكلية الحربية بعد إستكماله للدراسة الثانوية ليكون إمتداداً لبطولات أبيه الشهيد ، و واصل تعليمه و تدريبه بالكلية الحربية على أحدث فنون و علوم القتال إلى أن تخرج فى سنة ١٩٧٠م ليلتحق بالقوات المسلحة التى كانت تستعد للمعركة الفاصلة ، و فى هذه الظروف الفارقة من تاريخ الأمة و كما أن هناك السواد الأعظم من الشعب الذى يضحى بأولاده و أمواله و وقته لمعركة العزة و الكرامة ، كان هناك قلة ممن لا يعرفون الوطنية ولا ينتمون إلى أى خصلة من الخصال الحميدة ، استغلوا هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة منهم أبو سليم رجل متسلط جبار حل بهذه القرية منذ أوائل الأربعينات عاملاً بسيطاً ، لكن مع الأيام تحول إلى وحشٍ كاسر يتاجر بأرزاق الناس و أقواتهم بالحيل و المكر و الدهاء و لكل متسلط جبار مثله تحيط به شلة من أهل الشر و الفساد تعاونه على ظلمة فتعامل مع أهل القرية بالقروض الرباوية و الناس فى أزمة و إحتياج فمدوا أيديهم بالقروض و فى موعد السداد لا يستطيعون الوفاء بالدين فينزع منهم قطعة أرض مرة و ماشية مرة اخرى حتى صار له مساحة كبيرة من الأرض فى القرية و هو ما كان يمتلك شبراً واحداً قبل حلوله بالقرية ، و صارت حاشيته يرهبون الآمنين بأساليبهم الرخيصة من النهب و التعدى و الحرق حتى أرهبوا الناس جميعهم .

وضع أبو سليم كل طمعه و عينه على أرض زوجة الشهيد فهى القطعة الأفضل فى الناحية من كل شئ زراعة و مياة و سور يحيط بها فكرس كل أعوانه الشياطين المحيطين به للحصول على هذه المساحة بأى ثمن فلما يأس من محاولاته سلط الشياطين أعوانه على التعدى على الحراس و إفساد السمر حتى تيأس و تستسلم و تبيع .

و قامت المعركة العظيمة معركة العبور و كان الأبن البطل ضمن الضباط المرابطين على الحدود و فى المواجهة مع العدو الغدار ، و دارت المعركة و ظهر معدن الشعب و الجيش المصرى العظيم فى تحطيم خط برليف و العبور العظيم و إنتصرت مصر فى معركة ١٩٧٣م يشهد بها العالم كله و بتقنية عسكرية عالية تدرس فى كل الكليات العسكرية فى الشرق و الغرب ، و لكن من ضحايا المعركة إبن الشهيد أستشهد فى ساحة القتال دفاعاً عن تراب الوطن العزيز فصار شهيد إبن شهيد و تقبلت السيدة الزكورة إستشهاد زوجها و إستشهاد إبنها أيضاً و لكن الأصالة و الشهامة و النبل و التضحية و الكرامة كلها سمات و صفات فى هذة السيدة .

و ذهب أهل القرية إليها ليواسوها فإبتسمت و قالت بصوتٍ عالى لو كان عندى من الأولاد عشرة ما بخلت بهم على مصر و لو أستطيع حمل السلاح لما ترددت لحظة فى الدفاع عن الوطن العزيز فكل شئٍ يهون إلا مصر الغالية يموت أزواجنا و أولادنا و لكن تحيا مصر عزيزة غالية .

أما أبو سليم الطماع الذى وضع نصب عينيه للإستلاء على أرض الشهداء فجمع شلة الشر و قال حان الوقت فما عاد لها سند و لا حاجة لها بالأرض فالفرصة سانحة الآن و أخذ حاشيته و ذهب ليلاً للقضاء على ثمار المحصول بغية تعجيزها لتستسلم ، فهجموا على المزرعة بكل أسلحتهم و كان الحراس رجلان فقط تصدى إحداهما للعصابة فضربوه و إعتدوا عليه و كتفوه بالحبال و دخلوا المزرعة عنوة ، أما الحارس الثانى فتصدى لأبو سليم و كان معه بندقية حراسة فإعتدى عليه أبو سليم بكل حقد و غل و ألقى البندقية فى الترعة فتصدى له الحارس بكل قوة ليمنعه من دخول المزرعة فأخرج سكيناً و طعنه عدة طعنات أودت بحياته و كان الأهالى قد علموا بالإعتداء الآثم فأبلغوا الشرطة التى أتت فى الحال و أمسكت به و هو متلبس بالسكين و يده ملوسة بالدماء و الحارس يسيل دمه على التراب فألقوا القبض عليه و حاشيته و ألقوه فى السجن ليأخذ عقابه سجناً مؤبداً و عادت القرية إلى هدوئها بعد أن زال الشر عنها ، و إكراماً للشهداء قامت السيدة العظيمة ببناء مسجد و مدرسة و مستشفى و مشغل للأيتام من أرض و مال الشهداء تخليداً لهم فتحية من كل القلب لهذه السيدة و لكل سيدات مصر العظيمات .

عن rotana rotana