الحوار الأخير
الحوار الأخير

الحوار الأخير

بقلم ربيع جودة .

ما معنى الحياة بعد تحطم إناء الحب ؟ إنها حياة كلها حرمان و ظمأ .

هكذا تكلمت تلك الفتاة مع الطبيب فى عيادته تروى له حكايتها .
قالت : لقد فقدت زوجى فى حرب سيناء ، تركنى بعد أن أخذ معه سعادتى و حياتى كلها ، وكل ما أتمناه هو أن أترك جسدى هذا للناس يدفنونه فى التراب ، لألحق بزوجى .

و مرت الأيام بعد وفاته و كلما أسرعت لفحتنى بنار ألآمها و زاد حنينى إليه و شوقى إلى روحه .
ولامنى الجميع و ألحوا على بالزواج ، أى قسوة و أى جحود ذلك الذى يدفعوننى إليه ؟ أخونه و هو فى قبره ؟
و إنطلقت دموعها فى إصرار تروى عن تلك الليالى التى قضتها فى عذاب و إستمرار تقول : قبل أن أنسى أود أن أقول لك إن زوجى حين تركنى منذ أكثر من سنتين كانت الأيام قاسية علىَّ و عليه فحتى الأبناء لم ترهم عيناى حتى أعيش به و لهم ، و لكن أراد الله أن يضع يده على جروحى يضمدها ؛ فمنذ حوالى ستة أشهر دخلت غرفة نومى و كالمعتاد أنفلت فكرى فى رأسى ، و إندفع يخترق الفضاء و يذهب إلى السماء يستأذنه فى إعارة روح زوجى لى لأناجيها ، و مر الوقت و سلمنى إلى أحلامى ، و كان حلماً لن أنساه فقد إستجابة السماء لطلبى و رأيت زوجى تلك الليلة يقتحم على تلك الهالة السوداء التى تحاصرنى ، أقتحمها بإشراقة وجهه و إبتسماته التى طالما كانت تشيع البهجة فى نفسى و ما إن رآنى حتى أقبل علىَّ فى لهفة طاغية يضمنى إلى صدره و كله شوق و سعادة للقائى و أخذ يهمس فى أذنى ، لماذا أراكى حزينة ؟ أين ضحكك ؟ أين مرحك ؟
قولت : إننى أنتظرك دائما ليكون ذلك لك وحدك .
قال : ولكن شبابك ، حياتك إنها ملكك وحدك تمتعى بها و إسعدى .
قالت : المتعة و السعادة فى قربك .
قال : لكنى الآن بعيدٌ جداً و الأمر ليس بيدى .
قالت : إذن خذنى معك ، لماذا تتركنى ؟ إننى أريدك أنت .

و أمام هذا التوسل لم يتكلم بل ربت على خدى و عاد إلى مرحه و إستمر حنانه الجارف لى حتى إختطفتنى الحياة منه مرة أخرى ، وصحوت من نومى و أنا ألعن النهار و ضوئه ، و الحياة التى أبت أن تتركنى فى أحلامى إلى الأبد .

و إنتظرت الليلة و الظلام و كنت أذهب إلى فراشى لألقاه و تعدد إنتظار. لليالى ، و إغماض عينى دون جدوى فلم أره بعد ذلك ، ومضت أشهر بعد ذلك اليوم و تلك الليلة و أنا أجتر هذا الحلم الجميل ولا أنساه إلى أن لاحظت أمراً غريباً طرأ على حياتى .

و صمتت و شردت ببصرها و أخرجت ظفرة طويلة كاد يتحطم لها صدرها ، ثم تحولت فى توسل عجيب و قالت : إننى حامل .. حامل يا دكتور .
قال الدكتور فى دهشة : حامل ؟
قالت : نعم حامل و لن أنتظر منك ما أنتظره من غيرك من الأسئلة السخيفة فلم يقربنى مخلوق و لن يقربنى أحدٌ بعده ، و لا تظن أننى أخفى عليك شيئاً ، و فى الوقت نفسه أرجو ألا تتخيل أننى فى مأذق ، بل إننى سعيدة لأن إبنى و إبنه يتقلب فى أحشائى و سيخرج لظلام حياتى لينيرها و أسير على ضوئه بقيت عمرى ، نعم لقد نلت أكثر مما كنت أطلب ولم أحضر إليك الآن كغيرى لكى أقتل إبنى فحياتى من حياته و لن يمسسه سوء مادمت حية و ما جئتك إلا لأمرنى : الأول أن تتولى رعايتى حتى يتم خروج إبنى إلى الحياة ، و الأمر الأخر أن تتولى إبعاد أهلى عنى لإنى سئمت ألاعيبهم و أفكارهم الهمجية .

و إنتهت السيدة من أقوالها و عادت إلى سكونها و عدت أنا إلى عقلى أسترجع معه ما قالت ، فأين الحقيقة و أين الباطل ؟
إنها تؤكد أنها بريئة و جسدها يؤكد إتهامها ، إنها تؤكد براءتها و العقل ينفى ، و العين ترى و تصر أيهما أصدق ، هل أصدق دموعها ولسانها أم أصدق جسدها الذى ينتفخ أمام عينى ؟
و راجعت الأمر بسرعة و وجدت لعجبى أننى أقف فى صف السيدة لا أدرى لماذا ؟
و لكنى كنت مؤمن بكل كلمة قالتها ، إننى أصدقها رغم عينى ، و لابد من أن هناك خطأ إستغله القدر و الضحية أضعف من أن تواجه أو تدافع عن نفسها .

و هكذا قمت بالكشف الدقيق عليها و ما إن أتممته حتى أوصيتها ببعض الإرشادات و العقاقير .
و الححت عليها فى الوقت نفسه أن تبعث لى فى أقرب وقت و على وجه السرعة من يهمه أمرها لكى أشرح الموقف على حقيقته .
و إنتهت زيارتها و تركتنى و على وجهها شبح إبتسامة تدل على الراحة و الإطمئنان و إنتظرت أن أرى والدها أو من يهمه أمرها ، ولكن مرت الليلة و لم يقابلنى أحد ، و بينما أقلب الجرائد بين يدى خرجت من فمى صرخة دون وعى منىَّ ، فقد قرأت فى باب الحوادث عنواناً كبيراً ( أخٌ يبقر بطن أخته )
و إستمر الخبر ينقل حوادث الجريمة بتفاصيلها حتى إنتهى بقوله ( و نقلت الجثة إلى المشرحة و مازال التحقيق جارياً )
و ألقيت بالجريدة جانبا و أنا ألعن الظلم ظلم الأرض و ساكنيها ، و طلبت العدل .. عدل السماء و صاحبها فأى ذنبٍ جنته هذه المسكينة ؟

لقد كان حملها ( حملاً كاذباً و هى بريئة بريئة بريئة ) .
ذلك الحمل الذى يبدأ بأمنية و رغبة ملحة تسيطر على رأس المرأة حيث تتبلور ثم تتجة نحو أحشائها ، و تتجسم هناك و تأخذ دوراً أشبه بالطبيعى و فى النهاية تظهر الحقيقة و هى قاسية جداً فراغٌ قاتل يعود بالمرأة إلى اليأس و العذاب ….

الحوار الأخير
الحوار الأخير

.

عن Wafaa Daramalli