منوعات

استجابة سلوكات الأفراد و المجتمعات مع الأزمات

استجابة سلوكات الأفراد و المجتمعات مع الأزمات

بقلم: نجاة الأخضر

يتأثّر سلوك الإنسان الطبيعي و تصرّفاته و ردّات فعله بجملة من المؤثرات قد تكون خارجية أو ذاتية كالعادات و التقاليد و الموروثات الثقافية و الدينية و جملة المبادئ و القيم و العلاقات الإجتماعية و الصفات الجينية الوراثية.. كما يتأثّر سلوكه بالمجتمع المحيط به فيضطر لتكييف و ترشيد سلوكه ليتماشى مع سلوك المجموعة و هذا يعني وجود طبيعة مزدوجة للسلوك الإنساني: سلوك عقلاني منطقي يغلّف و يخفي سلوكا لا يتسم بالعقلانية. أشار إلى هذا التناقض عالم الإجتماع “شوتز” و أطلق عليه “العقلانية الهشة”ففي الأوقات الطبيعية، يتمكن غالبية الناس من الحفاظ على قدر من العقلانية بطريقة أو بأخرى نظرا لما تفرضه ملامح الحياة اليومية من روتين بما يتضمنه من أنماط تفاعلية متوقّعة غير خارجة عن السائد، غير أنه في الأزمات و عندما يضطرّ الإنسان لمواجهة حدث أو وضع أو مشكل طارئ قد يكون صحّي أو بيئي أو إجتماعي أو ثقافي أو إقتصادي تأخذ اللا عقلانية بزمام الأمور، و تكون الإستجابة و ردات الفعل متناقضة لا منطقية مدفوعة بالخوف و القلق و الفزع.

و لعلّ أكبر تحدّ تعيشه البشرية هذه الفترة الأزمة الصحية العالمية على إثر تفشّي وباء عالمي أطلق عليه فيروس كورونا (كوفيد -19) تطوّر ليصبح جائحة لأنّه لم يعترف بالحدود الجغرافية إذ انتشر في أغلب بلدان العالم مسبّبا خسائر مادية و بشرية لها تداعيات خطيرة على الإقتصادات و المجتمعات و تونس كغيرها من البلدان ليست مستثناة منه. وضع صحّي متأزّم و الأكيد أن تجاوزه بأخفّ الأضرار لن يكون إلا بتضافر الجهود بين مختلف مكوّنات المجتمع.

الأزمة الصحية التي اجتاحت العالم كشفت عن كم هائل من العنصرية و مشاعر الكراهية، مشاعر لا إنسانية و سلوكات غير مسؤولة ناهيك عن التهجّم و التهكّم على عادات و تقاليد شعب كامل شرذمة من الجهلة وصل بهم الحال إلى حد الشماتة و وصفهم بالشعب المغضوب عليه و اعتبار ما حدث لهم ماهو إلا إنتقام إلهي و ربّاني و المؤسف بل المخجل أن يكون البعض من المسلمين من تبنّوا هذه الآراء و السلوكات و نسوا أن التاريخ الإسلامي يشهد على أوبئة قد تكون أشد فتكا من وباء الكورونا المستجد منها طاعون شيرويه سنة 6 هجري بالمدائن في عهد الرسول صلّ الله عليه و سلّم و طاعون عمواس سنة 18هـجري في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه و كان بالشام و راح ضحيته خمسة و عشرون ألفا من بينهم عددا من صحابة الرسول الكريم. الغريب في الأمر أنهم يسمونها عندما تصيب المسلمين “إبتلاء” من عند الله و لا راد لقضائه. إذن هل الله عز وجل كان غاضبا على المسلمين حينها فسلّط عليهم الأوبئة؟ إذا كان شعب الصين معاقب من الله لما إذن انتشر الوباء في صفوف المسلمين؟ هل لعاقل أن يصدّق تلك الطرّهات و المهاترات؟ الأصحّ أن لا يتم ترويج الأكاذيب و الشائعات و البغضاء و الكراهية فنحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى بناء علاقات سلام و تسامح و تعايش و تقبّل للآخر على اختلاف معتقداته و جنسه و دينه أما الكوارث الطبيعية كالسيول الجارفة و الحرائق و الزلازل و البراكين و كذلك تفشّي الأمراض و الأوبئة هي من تجلّيات الطبيعة لا تفرّق بين مسلم و غير مسلم قد تصيب الإنسانية جمعاء دون استثناء و دون تمييز.

في تونس كما في البلدان الأخرى، الأزمة كشفت النقاب عن الأنانية لدى بعض المواطنين تجلّت من خلال اللهفة على شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة و تخزينها أدّت إلى إفراغ أغلب الفضاءات و المساحات التجارية ممّا جعل الكثيرين يعانون من نقص فادح في مؤونتهم خاصة في المواد الإستهلاكية الضرورية. لم تتوقّف الأنانية على المواطنين فقط و إنما تجاوز الأمر إحتكار السلع و المنتوجات من طرف التجار و الباعة المتاجرين بقوت الضعفاء و المحتاجين الذين انتهجوا البيع بأسعار خيالية تتجاوز أحيانا ثلاثة أضعاف ثمنها الأصلي خاصة تلك المواد المتعلّقة بالتعقيم و القفازات و الكمامات.

الأزمة الصحية العالمية عرّت الكثير من القيم الزائفة في المجتمعات و أظهرت الوجه الحقيقي أو المخفي بإتقان خلف مساحيق التجميل و عندما حلّت الجائحة بان على الكاشف نقص المسؤولية المجتمعية لدى بعض المواطنين خاصة في استهتارهم و عدم احترامهم لتدابير و اجراءات التوقّي من الفيروس مخلّين بالقانون و بوازع المسؤولية تجاه أبناء وطنهم يتجلّى ذلك من خلال خرق الحجر الصحّي الذاتي قبل أن تنتهي مدّته مسبّبين الهلع في صفوف أقاربهم و أبناء منطقتهم فقد ثبت أن بعضهم نقل الفيروس لغيره عن طريق عدم إلتزامه بالحجر الصحّي المفروض عليه. في تونس مثلا وقف الكثيرون عاجزين عن الفعل تجاه تصرّفات البعض خاصة أولائك الذين أقاموا حفلات الزفاف في فترة حظر الجولان و الذين فتحوا المقاهي خلسة غير عابئين بالخطر المحدق بهم و بهول الكارثة التي يمكن أن تحدث إن كان واحد فقط من المدعوين و الحاضرين حاملا للفيروس.

رغم حملات التوعية الميدانية و على صفحات التواصل الإجتماعي التي أطلقها نشطاء المجتمع المدني و التشديد من طرف المسؤولين الحكوميين و الومضات التحسيسية على مختلف وسائل الإعلام السمعي و المرئي على الإلتزام بتطبيق القوانين إلا أن البعض لم يمتثل ربما عن جهل أو تجاهل و الأصح عن استهتار و اصرار على المعاندة و الأنانية.

الحكومات و الدول اتخذت إجراءات وقائية لمواطنيها من تعليق للدروس و منع للتجمعات و التظاهرات و إغلاق للحدود البرية و الجوية و البحرية بعد إجلاء رعاياها من البلدان الأخرى، و حظر التجوّل ليلا إلى أن أصبح تدريجيا حجرا صحيّا عاما شلّ حركة الإنتاج و حرية التنقّل. أصبحت كل بلدان العالم متقوقعة و منغلقة على نفسها تعالج آلامها و أزمتها بمفردها و كل بطرقه المختلفة و بحسب الإمكانيات المتاحة لمنح الأولوية لمواطنيها فوقعت في إشكالية كيفية تطبيق القرارات و الإجراءات التي تحدّ من حرية المواطنين معوّلة على وعيهم و التزامهم فمن الصعب أن يستوعب المواطن الذي كان يتمتّع بجملة من الحقوق و الحريات أن تسحب منه و لو لفترة معيّنة. منهم من سيمتثل نظرا لما تقتضيه الوضعية و منهم من سيتمرّد و سيرفض هذا التغيير، فأصبحت الحكومات مخيّرة بين استخدام القمع و القوّة و ذلك بنشر الجيش و العناصر الأمنية أو تواصل في تمشّي دولة الديمقراطية حتى في أحلك الظروف و الأزمات و تخيّر التدرّج في إتخاذ الإجراءات كما فعلت الحكومة التونسية التي اتخذت اجراءات استباقية قبل أن تصل الأزمة الصحية للذروة. و لعلّ قوّة الدول و كفاءتها سوف تتضح من خلال كيفية إدارتها و معالجتها للأزمة فالمسؤولية الأولية تقع على عاتق المسؤولين و المختصين و متخذي القرار في تحديد مرحلة الأزمة فإذا تمّت هذه المرحلة بالشكل المطلوب فإن العلاج و التصرّف و أخذ القرار المترتّب عنها سيكون أسهل و بسيط. فكلّما كان التشخيص سليما كلّما كان التدخّل أنجع و للأسف كلّما استفحلت الأزمة و استشرت كلّما كانت الخسائر أكبر و كارثية و هذا ما يحدث الآن في إيطاليا إذ بلغت الخسائر البشرية في اليوم الواحد أكثر من 600. و المؤكّد أن مرحلة النقاهة و بداية التعافي ستكون مؤلمة و صعبة.

رغم مظاهر الإستهتار و الأنانية التي تجلّت في كثير من الأوقات إلا أنه في المقابل هناك وجه مشرق تجمّل بالمبادرات المجتمعية التطوعية على مستوى الفرد و المجموعة داعمة لجهود الحكومات في مواجهتها لأزمة الكورونا في تعبير عن علاقات التكامل و التعاون بين مختلف الأطراف الحكومية(السلطات الجهوية و المركزية) و غير الحكومية (قطاع خاص و مجتمع مدني و أفراد) ففي الأزمات تتقلّص الفجوة بين الفرد و المجتمع و السلطة و تترتّب عليه إعادة بناء للعلاقات إذ يرتبط مصير الفرد بمصير المجتمع برمّته و يتولّد شعور جمعي تعاوني تضامني و تنحصر الأنانية و عدم المبالاة فالمصير واحد و التهديد واحد فإما نجاة و إلا فناء. الحجر الصحّي العام فرض على المتساكنين إلتزام منازلهم فانقطع اتصالهم بالجيران و العالم الخارجي ممّا حدى بهم إلى إبتكار و خلق أفكار و مبادرات خلاّقة كالتواصل بالغناء و التصفيق و الإستغفار و الدعاء و الصلاة في الوقت نفسه و لكن أيضا كل ملتزم بمكان إقامته و التواصل عبر وسائل التواصل الإجتماعي و التواصل عبر النوافذ و الشرفات بدافع بث مشاعر إيجابية تفائلية بغد أفضل و محفّزة على الثبات و التوازن النفسي.

برزت أيضا مبادرات مجتمعية تجلّت بطرق مختلفة و لكن هدفها واحد المساعدة في إحداث التغيير الإيجابي فيما يلي ذكر لهذه الطرق معزّزة بأمثلة من الواقع:

1 – تقديم الخدمة : توفير الخدمات الأساسية للأشخاص الذين يحتاجون إليها كتجنّد عدد من الشبان لتلبية طلبات الغير قادرين على إقتناء مؤونتهم خاصة كبار السن و بادروا بإيصال طلباتهم دون مقابل خاصة و أن كبار السن هم الأكثر عرضة و تأثّرا بفيروس كورونا.

2 – جهد شخصي (المساعدة الذاتية): تجلّى ذلك من خلال قيام مجموعات بحملات تعقيم دورية لبعض مقرّات المؤسسات و الأماكن التي تشهد إقبالا من المواطنين كوسائل النقل و المساحات التجارية.

3 – التعليم (التوعية و التحسيس) : فيروس الكورونا هو وباء مستجد إلى حد الآن لم يتوفّر له دواء و لكن بما أن الوقاية خير من العلاج دأب مجموعة من الأشخاص بالتعريف به و بسبل التوقّي منه من خلال حملات ميدانية توعوية و تواصل مباشر مع الساكنة المحلية بوسائل مختلفة كتوزيع مطويات أو استخدام مكبّرات الصوت و التجوال في الشوارع للتعريف بهذا الوباء و دفعهم لإلتزام منازلهم تنفيذا للحجر العام.

4 – المدافعة/المناصرة: في تونس مثلا تجنّدت أفراد و مجموعات للتبليغ عن من يخرقون الحجر الصحّي الذاتي و أيضا التبليغ عن التجار المحتكرين للسلع و كذلك الذين يبيعونها بأسعار خيالية.

5 – تنظيم المجتمع (العمل المباشر): تعاني الكثير من المستشفيات و الوحدات الصحية خاصة في العالم العربي من نقص في المعدات و المستلزمات الطبية ممّا يجعلها غير قادرة على أداء مهمتها الأساسية ألا و هي تقديم خدمات صحية للمرضى خاصة في وضع صحّي طارئ كوباء الكورونا و في هذا الإطار اتفق مجموعة من النشطاء بالمجتمع المدني بإحدى المدن الداخلية التونسية على اطلاق حملة تبرّعات اطلق عليها “الشقاقة” كل حسب مقدرته و امكاناته المتاحة تهدف إلى المساهمة في توفير بعض المستلزمات الضرورية لتأمين أفضل الظروف للإطار الصحي بأحد المستشفيات بالجهة نظرا لإفتقاره لأدنى المستلزمات. مثل هذه المبادرات قد تكون حلاّ لمثل هذه المشاكل في ظل محدودية إمكانات الدولة رغم أنها مطالبة بتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها.

رغم ما قد يترتّب عن هذه الأزمة الصحية التي قد تكون تأثيراتها و انعكاساتها طويلة المدى على الأفراد و المجتمعات و الدول فإن الدروس المستفادة منها هي ما يجب العمل عليه مستقبلا طبعا بعد انحصار هذه الأزمة و احتواء الأضرار، على سبيل الذكر لا الحصر ضرورة الإهتمام بالبحث العلمي و رقمنة الخدمات و تغيير المنظومة التعليمية القائمة على التعليم التقليدي و تعويضها بالتعلّم عن بعد و عصرنة قطاع الصحة و إيلاء الكفاءات و العلماء المكانة التي يستحقّونها فهم جنود المستقبل. الأزمة حلّت و لكن المؤكّد أنها ستنجلي كما انجلت أزمات سابقة. و قريبا سندخل مرحلة النقاهة و استعادة النشاط لنختمها بمرحلة التعلّم من الأخطاء التي تم الوقوع فيها و حتى لا تتكرّر مستقبلا.

الوسوم
اظهر المزيد

Mohamed Demo

أنامل مستترة و ذهنية حاضرة تتكامل مع العمل الصحفي والإعلامي.

مقالات ذات صلة

إغلاق